واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة لليوم 298 على التوالي، بالتزامن مع قصف مدفعي وإطلاق نار وتحليق للطائرات المسيّرة، فيما استشهد فلسطيني متأثرًا بإصابته في قصف استهدف مدينة غزة الأحد.

 

وتكشف التطورات الميدانية أن الاتفاق الموقع في 10 أكتوبر 2025 بمدينة شرم الشيخ لم ينجح في وقف نزيف الدم، بينما تتزامن الاعتداءات في غزة مع تصعيد واسع في الضفة الغربية يشمل القتل والاستيطان والهدم ومصادرة الأراضي.

 

وأفاد مراسل قناة الغد باستشهاد الشاب أحمد بلال الكفارنة متأثرًا بإصابته جراء قصف إسرائيلي استهدف شارع الثورة وسط مدينة غزة، في وقت واصلت فيه المدفعية الإسرائيلية استهداف المناطق الشرقية من المدينة خلال ساعات الاثنين.

 

وفي شمال القطاع، أطلقت آليات الاحتلال نيرانها باتجاه المناطق الشمالية لمدينة بيت لاهيا، بينما تعرضت مناطق أخرى لإطلاق نار متقطع، في استمرار للمشهد العسكري الذي جعل وقف إطلاق النار قائمًا على الورق أكثر منه واقعًا ميدانيًا.

 

أما في وسط قطاع غزة، فتعرضت المناطق الواقعة جنوب شرقي دير البلح لقصف مدفعي، بالتزامن مع إطلاق آليات الاحتلال النار باتجاه المنطقة الشمالية الشرقية من مخيم البريج، ما أبقى السكان تحت تهديد مستمر.

 

وفي جنوب القطاع، قصفت مدفعية الاحتلال بلدة القرارة شرقي خان يونس، بالتزامن مع تحليق مكثف للطائرات المسيّرة شرق المدينة وغربها، بينما اندلعت حرائق داخل ما تسميه إسرائيل الخط الأصفر نتيجة إطلاق قنابل إنارة.

 

وكان اليوم السابق قد شهد مقتل 18 فلسطينيًا على الأقل في غارات إسرائيلية استهدفت مناطق متفرقة من قطاع غزة، في واحدة من أكثر موجات القصف دموية خلال الأسابيع الأخيرة رغم استمرار العمل باتفاق وقف إطلاق النار.

 

ويكشف استمرار القصف أن المدنيين في غزة ما زالوا يعيشون في بيئة لا توفر الحد الأدنى من الأمان، إذ يمكن أن يتحول أي تحرك أو منزل أو تجمع سكاني إلى هدف محتمل رغم مرور أشهر على توقيع الاتفاق.

 

 

غزة تحت نار مستمرة

 

دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 وسط تعهدات دولية بوقف العمليات العسكرية وتسهيل دخول المساعدات، إلا أن الشهور التالية شهدت مئات الوقائع التي قالت جهات فلسطينية إنها تمثل خروقات إسرائيلية متكررة للاتفاق.

 

وتظهر التطورات الحالية أن القصف لم يقتصر على منطقة محددة، إذ امتد من مدينة غزة وبيت لاهيا شمالًا إلى دير البلح والبريج وسطًا ثم القرارة وخان يونس جنوبًا، بما يضع مناطق واسعة تحت ضغط عسكري متواصل.

 

كما يفاقم استخدام الطائرات المسيّرة من المخاوف داخل الأحياء السكنية، بعدما أصبحت أصوات التحليق جزءًا من الحياة اليومية للفلسطينيين، بالتزامن مع إطلاق نار مدفعي ومن الآليات العسكرية المنتشرة قرب مناطق مختلفة من القطاع.

 

وتزداد خطورة هذه العمليات بسبب الوضع الإنساني المتدهور أصلًا، إذ يعاني السكان من آثار الحرب الطويلة والدمار الواسع ونقص الخدمات الأساسية، بينما تعني كل جولة قصف جديدة مزيدًا من الخسائر والنزوح وتعطيل محاولات التعافي.

 

وفي المقابل، تستمر الخلافات المتعلقة بتنفيذ التفاهمات الأوسع للاتفاق، وسط اتهامات فلسطينية لإسرائيل بمحاولة تغيير الوقائع على الأرض بالقوة، بينما تتمسك الحكومة الإسرائيلية بشروط أمنية وعسكرية قبل اتخاذ خطوات إضافية للانسحاب.

 

ومن ثم، لم يعد السؤال مقتصرًا على استمرار الاتفاق رسميًا، وإنما على قيمته الفعلية بالنسبة للمدنيين عندما تتواصل الغارات والقصف وإطلاق النار ويستمر سقوط القتلى بعد مئات الأيام من الإعلان عن وقف إطلاق النار.

 

 

الضفة تحت ضغط المستوطنين

 

وفي الضفة الغربية، اقتحم عشرات المستوطنين المقامات الإسلامية في بلدة كفل حارس شمال محافظة سلفيت تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، وأدوا طقوسًا تلمودية داخل المواقع وسط انتشار عسكري إسرائيلي في البلدة.

 

وتزامن ذلك مع اقتحام قوات الاحتلال بلدتي الزبابدة ودير غزالة في محافظة جنين، حيث نفذت عمليات دهم وتفتيش واعتقلت فلسطينيًا ونجله، كما احتجزت عشرات الشبان خلال انتشارها في عدد من المناطق.

 

كما اقتحمت القوات الإسرائيلية بلدة عقابا شمال طوباس بعدد من الدوريات العسكرية، وداهمت منزلًا وفتشته، في إطار عمليات اقتحام تكاد تصبح يومية في الضفة الغربية ومخيماتها وبلداتها خلال الحرب الحالية.

 

وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن قوات الاحتلال والمستوطنين نفذوا 11074 اعتداء بحق الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم ومقدساتهم خلال النصف الأول من عام 2026، في مؤشر على اتساع نطاق الاعتداءات.

 

وخلال يوليو وحده، سجلت الهيئة 2256 اعتداء، بينها 1458 نفذها جيش الاحتلال و798 نفذها مستوطنون، وفق الأرقام الواردة في التقرير الفلسطيني، ما يعكس استمرار التصعيد بوتيرة مرتفعة في مختلف محافظات الضفة.

 

وتركزت الاعتداءات في رام الله والبيرة بنحو 260 اعتداء، ونابلس بنحو 247، وجنين بنحو 190، وبيت لحم بنحو 185، والخليل بنحو 170، لتستحوذ المحافظات الخمس على قرابة 47% من إجمالي الاعتداءات المسجلة.

 

أما اعتداءات المستوطنين فقد تركزت بصورة أكبر في نابلس والخليل ورام الله والبيرة، بينما بلغ إجمالي الاعتداءات المنسوبة إليهم منذ مطلع عام 2026 نحو 4286 اعتداء، وفق بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

 

وتظهر هذه الأرقام أن التصعيد في الضفة لم يعد مرتبطًا بحوادث فردية متفرقة، وإنما يتخذ طابعًا مستمرًا يمتد من الاعتداء المباشر على السكان إلى تدمير الممتلكات والاستيلاء على الأراضي وإقامة بؤر استيطانية جديدة.

 

 

استيطان وهدم ومصادرة

 

أسفرت اعتداءات المستوطنين خلال يوليو، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، عن استشهاد 7 فلسطينيين في محافظتي نابلس ورام الله، بينهم الفتى فادي حمد الله النعسان البالغ من العمر 17 عامًا من قرية المغير.

 

وسجلت الهيئة كذلك 440 عملية تخريب للممتلكات وتجريف للأراضي و23 عملية مصادرة وسرقة، إضافة إلى اقتلاع أو تخريب أو تسميم 5027 شجرة بمساندة أو حماية قوات الاحتلال وفق الرواية الفلسطينية.

 

كما حاول المستوطنون خلال الشهر إقامة 29 بؤرة استيطانية جديدة غلب عليها الطابع الزراعي والرعوي، وهي آلية تستخدم للسيطرة التدريجية على مساحات واسعة من الأراضي وتحويل الوجود الاستيطاني المؤقت إلى واقع دائم.

 

وفي السياق نفسه، أصدرت سلطات الاحتلال 33 أمرًا عسكريًا خلال يوليو، بينها 31 أمر وضع يد استهدفت أكثر من 830 دونمًا من الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى أمرين يتعلقان بتعديل حدود أوامر سابقة.

 

وخصصت 28 من هذه الأوامر لشق طرق أمنية وعسكرية أو توسيعها، واستهدفت قرابة 792 دونمًا، بما يمثل أكثر من 95% من إجمالي المساحات التي شملتها أوامر وضع اليد خلال الشهر.

 

ولا تعد هذه الإجراءات منفصلة عن اتجاه أوسع للاستيلاء على الأراضي، إذ كانت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان قد أعلنت في يوليو أن أوامر عسكرية إسرائيلية استهدفت منذ بداية 2026 أكثر من 2093 دونمًا من الأراضي الفلسطينية.

 

وفي ملف الهدم، نفذت سلطات الاحتلال خلال يوليو 80 عملية هدم طالت 165 منشأة، بينها 80 منزلًا مأهولًا و8 منازل غير مأهولة و63 منشأة زراعية و11 منشأة مرتبطة بمصادر رزق السكان.

 

وبالتوازي، درست الجهات التخطيطية الإسرائيلية 26 مخططًا هيكليًا لمستوطنات في الضفة الغربية والقدس خلال الشهر، بينها 14 مخططًا لمستوطنات الضفة تستهدف بناء 1128 وحدة استيطانية على مساحة تقدر بنحو 1172 دونمًا.

 

ويأتي ذلك ضمن سياسة استيطانية أوسع وثقتها الأمم المتحدة، التي أكدت أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 لا تتمتع بشرعية قانونية وتشكل عقبة رئيسية أمام أي تسوية قائمة على حل الدولتين.

 

وبذلك، تتجمع في المشهد الفلسطيني جبهتان متوازيتان، قصف مستمر في غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار، وتصاعد في الضفة يجمع بين الاقتحامات وهجمات المستوطنين والهدم ومصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني، بينما يظل المدني الفلسطيني الطرف الذي يدفع الكلفة الأكبر.