أعلنت مجموعة محامي الطوارئ مقتل ما لا يقل عن 35 شخصًا وإصابة آخرين إثر ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت محكمة أهلية في قرية غراء الزوايا بولاية شمال دارفور، بينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها رسميًا عن الهجوم حتى الآن.

 

وقالت المجموعة الحقوقية إن الضحايا كانوا داخل المحكمة وفي محيطها وقت وقوع الضربة، مشيرة إلى أن الموقع كان يشهد تجمعًا لمدنيين للنظر في عدد من القضايا والنزاعات المحلية، ما أدى إلى سقوط هذا العدد الكبير من القتلى والمصابين.

 

واتهمت محامي الطوارئ القوات المسلحة السودانية بتنفيذ الهجوم باستخدام طائرات مسيّرة، غير أن هذا الاتهام لم تؤكده جهة مستقلة حتى الآن، كما لم يصدر رد رسمي من الجيش السوداني على ما ورد في بيان المجموعة بشأن مسؤوليته عن الضربة.

 

ويجعل غياب إعلان رسمي للمسؤولية من الضروري الفصل بين حصيلة الضحايا التي أوردتها المجموعة وبين تحديد الجهة المنفذة، خصوصًا في ظل حرب تستخدم فيها الطائرات المسيّرة على نطاق واسع وتتبادل أطرافها الاتهامات بشأن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية.

 

وتأتي الواقعة بينما يشهد السودان تصعيدًا عسكريًا متواصلًا بين الجيش وقوات الدعم السريع، في حرب اندلعت منذ أبريل 2023 وامتدت إلى مناطق واسعة، مخلفة عشرات الآلاف من القتلى ونحو 13 مليون نازح وفق تقديرات أممية ودولية.

 

ويكشف استمرار سقوط المدنيين أن اتساع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة أصبح واحدًا من أخطر التحولات في الحرب السودانية، إذ باتت مناطق بعيدة نسبيًا عن خطوط الاشتباك المباشر معرضة لضربات يصعب على السكان توقعها أو الاحتماء منها.

 

وتزيد خطورة واقعة غراء الزوايا بسبب طبيعة الموقع المستهدف، إذ إن المحكمة الأهلية تمثل مساحة مدنية يرتادها السكان لحل النزاعات والقضايا المحلية، وهو ما يجعل التحقيق المستقل في ملابسات الضربة وتحديد المسؤول عنها ضرورة لا تحتمل الاتهامات المتبادلة وحدها.

 

 

ضربة دامية بلا جهة مسئولة

 

بحسب المعلومات الأولية التي أعلنتها محامي الطوارئ، أدت الضربة إلى مقتل 35 شخصًا على الأقل وإصابة آخرين، بينما كان عدد من المدنيين موجودين داخل المحكمة ومحيطها وقت الهجوم للنظر في نزاعات وقضايا محلية.

 

وقالت المجموعة إن المعلومات المتوفرة لديها تشير إلى استخدام طائرات مسيّرة في تنفيذ الضربة، ووجهت اتهامًا مباشرًا إلى القوات المسلحة السودانية، لكن عدم صدور نتائج تحقيق مستقل يجعل نسبة المسؤولية العسكرية إلى طرف بعينه غير محسومة.

 

وحتى الإعلان عن الواقعة، لم يصدر عن الجيش السوداني رد رسمي يؤكد أو ينفي الاتهامات التي وجهتها المجموعة، كما لم تتبن أي جهة أخرى الهجوم، ما يترك هوية منفذه محل خلاف يحتاج إلى أدلة ميدانية مستقلة.

 

ويفرض ذلك التعامل بحذر مع الاتهامات المتداولة، إذ إن تحديد المسؤولية عن ضربة جوية يتطلب معلومات تتعلق بمسار الطائرة ونوع الذخيرة وموقع إطلاقها والقدرات العسكرية الموجودة في المنطقة، وهي تفاصيل لم تقدم بشأن الحادث حتى الآن.

 

وفي المقابل، تبقى حصيلة الضحايا هي الجانب الأكثر إلحاحًا في الواقعة، إذ يعني سقوط 35 قتيلًا على الأقل في موقع مدني استمرار دفع السكان ثمن حرب تجاوزت ساحات المواجهة العسكرية المباشرة ووصلت إلى المؤسسات والتجمعات المحلية.

وتثير الضربة مجددًا قضية حماية المدنيين في مناطق النزاع، خصوصًا مع انتشار الأسلحة بعيدة المدى والطائرات المسيّرة التي قللت أهمية المسافات بين خطوط القتال والمناطق المأهولة، ووسعت المساحة المعرضة لخطر الهجمات بصورة كبيرة.

 

كما أن استمرار القتال في دارفور وكردفان يجعل الوصول إلى معلومات مستقلة أكثر صعوبة، في ظل اضطراب شبكات الاتصال وصعوبة حركة الصحفيين والمنظمات الحقوقية، وهو ما يفتح المجال أمام روايات متضاربة بشأن المسؤولية عن كثير من الهجمات.

 

لذلك، تبقى الحاجة إلى تحقيق مستقل في ضربة غراء الزوايا ضرورية لتحديد مصدر الطائرة وطبيعة الهدف والجهة التي أصدرت أمر الهجوم، بدل تحويل مقتل المدنيين إلى مادة جديدة في حرب الاتهامات المتبادلة بين الأطراف.

 

 

الجيش يتقدم في كردفان

 

وبالتزامن مع تطورات دارفور، حقق الجيش السوداني خلال الأيام الماضية تقدمًا ميدانيًا مهمًا في شمال كردفان، بعدما أعلن استعادة السيطرة على مدينة بارا ومدينة جبرة الشيخ ومنطقة أم سيالة إثر مواجهات مع قوات الدعم السريع.

 

وأجرى رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان جولة ميدانية في أم سيالة وجبرة الشيخ عقب استعادتهما، وتفقد القوات الموجودة في الخطوط الأمامية برفقة عدد من المسؤولين والقادة العسكريين وحلفاء الجيش.

 

وتحمل السيطرة على هذه المناطق أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية، بسبب موقعها على طرق حيوية تربط شمال كردفان بالعاصمة ومناطق أخرى، ما يمنح القوات المسلحة قدرة أكبر على تحريك الإمدادات وتوسيع عملياتها في غرب البلاد.

 

كما أعادت التطورات الأخيرة فتح طريق الصادرات الاستراتيجي الممتد لنحو 360 كيلومترًا، والذي يربط شمال كردفان بالعاصمة الخرطوم، بعد فترة من الاضطرابات العسكرية التي أثرت على حركة النقل والإمداد عبر هذا المحور الحيوي.

 

ويشكل استعادة بارا تحديدًا تطورًا مهمًا في معارك كردفان، بالنظر إلى موقع المدينة على أحد المحاور التي تربط مناطق وسط السودان وغربه، ما يجعل السيطرة عليها ذات قيمة عسكرية ولوجستية بالنسبة للقوات المتحاربة.

 

وتشهد ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان منذ أكتوبر 2025 مواجهات متواصلة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وتحولت المنطقة تدريجيًا إلى واحدة من أهم ساحات الحرب بعد تغير خريطة السيطرة العسكرية في مناطق أخرى.

 

وأظهرت التطورات الأخيرة انتقال ثقل متزايد للعمليات نحو كردفان، حيث يسعى كل طرف إلى السيطرة على الطرق ومراكز الإمداد والمناطق التي تسمح له بالحركة باتجاه دارفور أو المناطق الواقعة شرق الإقليم.

 

ويأتي هذا التقدم في وقت تواجه فيه قوات الدعم السريع ضغوطًا متزايدة على عدد من محاور شمال كردفان، بينما تحاول القوات المسلحة والقوات المتحالفة معها تثبيت سيطرتها على المناطق التي استعادت السيطرة عليها ومنع فقدانها مجددًا.

 

 

البرهان يبحث الأمن والعمليات

 

وفي ظل هذه التطورات، ترأس عبد الفتاح البرهان اجتماعًا أمنيًا في العاصمة الخرطوم لبحث مجمل الأوضاع الأمنية وسير العمليات العسكرية، وذلك عقب التطورات الميدانية وسيطرة الجيش على عدة مناطق استراتيجية في شمال كردفان.

 

واستعرض الاجتماع، وفق مجلس السيادة، خطط القوات المسلحة والقوات النظامية والقوات المساندة ومستويات استعدادها وجاهزيتها، إلى جانب التدابير المتعلقة بتعزيز الأمن والاستقرار ومواجهة التحديات التي تهدد الأمن الوطني في ظل استمرار الحرب.

 

كما ناقش الاجتماع ملفات تتجاوز العمليات العسكرية المباشرة، بينها مكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة والذهب والمخدرات، وقرر تشكيل محاكم خاصة للنظر في عدد من هذه الجرائم خلال المرحلة المقبلة.

 

ويعكس اجتماع الخرطوم محاولة لربط التقدم العسكري بإجراءات أمنية وإدارية في المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة، بينما تظل الحرب مفتوحة على احتمالات متعددة مع استمرار المواجهات في كردفان ودارفور واتساع استخدام الطائرات المسيّرة.

 

وفي المقابل، تضع واقعة غراء الزوايا ملف حماية المدنيين في مقدمة التحديات، إذ لا يمكن التعامل مع مقتل 35 شخصًا باعتباره رقمًا عابرًا في حصيلة الحرب، بصرف النظر عن هوية الطرف الذي تثبت مسؤوليته لاحقًا.

 

ويبقى تحديد المسؤول عن الضربة مرهونًا بتحقيق موثوق وأدلة مستقلة، خصوصًا أن الاتهام الموجه إلى الجيش صدر عن مجموعة محامي الطوارئ ولم يصاحبه حتى الآن إعلان مسؤولية أو رد رسمي من القوات المسلحة يحسم الروايات المتداولة.

 

وفي النهاية، تجمع التطورات بين مشهدين متناقضين في السودان، أولهما تقدم عسكري للجيش في شمال كردفان واستعادة مناطق مهمة، وثانيهما استمرار سقوط المدنيين في دارفور، بينما تبقى مسؤولية ضربة غراء الزوايا غير محسومة حتى ظهور أدلة مستقلة.