تتواصل شكاوى أهالي المعتقلين داخل مركز إصلاح وتأهيل وادي النطرون 2 من ممارسات تعسفية يقولون إن الضابط المسؤول عن الزيارات، محمد عمارة، يفرضها عليهم خلال محاولاتهم الاطمئنان إلى ذويهم، بدءًا من المعاملة القاسية والمهينة، ومرورًا بمنع احتياجات أساسية وتقليص كميات الطعام، وصولًا إلى تعطيل ما يعرف بين الأسر باسم الطبلية حتى نهاية اليوم، في إجراءات تحول الزيارة من حق قانوني وإنساني إلى وسيلة إضافية للعقاب والتنكيل.
إذ تتكبد أسر المعتقلين مشقة السفر من محافظات ومدن بعيدة، وتتحمل تكاليف الانتقال وشراء الطعام والدواء والملابس، قبل أن تصل إلى بوابات السجن لتواجه ساعات طويلة من الانتظار وإجراءات متقلبة لا تعرف مسبقًا ما الذي سيسمح بإدخاله وما الذي سيمنع.
وبحسب إفادات متداولة بين الأهالي، يتعامل الضابط المسؤول عن الزيارة بأسلوب يتسم بالقسوة والتعالي، من دون مراعاة لأعمار الزائرين أو ظروفهم الصحية أو المسافات التي قطعوها، فيما تتحول أي محاولة للاعتراض أو الاستفسار إلى سبب لمزيد من التعطيل والتضييق.
ولا تقتصر آثار هذه الممارسات على أفراد محتجزين خلف الجدران، بل تمتد إلى أمهات وزوجات وأطفال يعيشون قلقًا دائمًا على ذويهم، ويجدون أنفسهم مضطرين إلى احتمال الإهانة خشية أن يؤدي احتجاجهم إلى حرمان المعتقل من الزيارة أو الاحتياجات الضرورية.
زيارة تحت سطوة الإذلال
تمثل الزيارة بالنسبة إلى عائلة المعتقل نافذتها المحدودة لمعرفة حالته الصحية والنفسية، كما تمثل للمحتجز فرصة نادرة للاطمئنان إلى أسرته والحصول على احتياجات قد لا توفرها إدارة السجن، ولذلك فإن تعطيلها أو إفراغها من مضمونها يضاعف آثار الاحتجاز.
وتقول الأسر إن الوصول إلى مركز التأهيل لا يعني انتهاء المعاناة، بل بداية مرحلة جديدة من التفتيش والانتظار والقرارات المزاجية، وسط غياب قواعد واضحة ومعلنة تحكم إدخال الأطعمة والمتعلقات الشخصية وتحدد حقوق الزائرين ومسؤوليات القائمين على الزيارة.
ويثير هذا الغموض مخاوف من استخدام السلطة التقديرية لإخضاع العائلات، إذ يستطيع المسؤول تغيير ما يسمح به من زيارة إلى أخرى، أو رفض بعض الاحتياجات من دون تفسير مكتوب، بما يترك الأهالي بلا وسيلة عملية للاعتراض أو إثبات ما تعرضوا له.
كما أن وصف المنشأة بأنها مركز للإصلاح والتأهيل يفقد معناه حين تصبح البوابة مساحة لإهانة الأسر وإرهاقها، فالتأهيل الحقيقي لا يستقيم مع معاقبة المحتجزين عبر ذويهم، ولا مع تحويل الموظف المسؤول إلى خصم يملك المنع والتأخير دون رقابة فعالة.
ويكشف استمرار الشكاوى عن أزمة أعمق من سلوك فردي، لأنها تتعلق بمنظومة تسمح بترك حقوق المعتقلين وعائلاتهم تحت رحمة قرارات غير شفافة، من دون آلية مستقلة لتلقي البلاغات والتحقيق فيها أو ضمان عدم الانتقام ممن يشتكون من الانتهاكات.
الطعام أداة لمضاعفة العقاب
بحسب روايات الأهالي، يمنع الضابط محمد عمارة دخول عدد من الاحتياجات الأساسية التي يعتمد عليها المعتقلون داخل الزنازين، كما يفرض قيودًا مشددة على كميات الطعام، رغم أن هذه الزيارات تمثل وسيلة ضرورية لتعويض النقص الذي قد يواجهه المحتجزون.
ولا ينفصل تقليص الطعام عن ظروف الاحتجاز العامة، إذ يصبح منع الوجبات أو تقليلها اعتداءً مباشرًا على سلامة المعتقل، ولا سيما المرضى وكبار السن وأصحاب الأنظمة الغذائية الخاصة، الذين قد تتفاقم أوضاعهم الصحية إذا حرموا من احتياجاتهم الملائمة.
وتتحمل الأسر تكلفة تجهيز الطعام ونقله وحفظه طوال رحلة السفر، ثم تفاجأ عند البوابة برفض أجزاء كبيرة منه أو السماح بقدر محدود للغاية، ما يهدر أموالها وجهدها ويتركها عاجزة عن معرفة ما إذا كان ذووها يحصلون على غذاء كاف.
ويتحول هذا التضييق إلى عقوبة جماعية لا تستند إلى حكم قضائي، إذ يعاقب المعتقل بحرمانه من احتياجاته، وتعاقب الأسرة بإهدار ما حملته، بينما يظل المسؤول صاحب القرار بعيدًا عن المساءلة المباشرة أو تقديم أسباب محددة للمنع.
وتؤكد المعايير الإنسانية أن وجود الشخص رهن الاحتجاز لا يسقط حقه في الغذاء الكافي أو الرعاية الصحية أو التواصل مع أسرته، كما لا يمنح أي مسؤول سلطة إذلال عائلته أو استخدام احتياجاته الأساسية وسيلة للضغط والعقاب النفسي.
ومن ثم، لا يمكن التعامل مع شكاوى الطعام باعتبارها خلافًا إداريًا بسيطًا حول الكميات، فهي تمس صحة المحتجزين وكرامتهم، وتستوجب مراجعة عاجلة لسجلات الزيارات والممنوعات، والتحقق من مدى كفاية الغذاء المقدم داخل السجن وانتظام وصول الأمانات.
استهداف التكافل بين العائلات
يمتد التضييق، وفق شهادات الأسر، إلى ما يعرف بالطبلية المشتركة، وهي احتياجات يرسلها بعض الأهالي مع عائلة أخرى تزور السجن، خصوصًا عندما تعجز أسرة المعتقل عن الحضور بسبب المسافة أو المرض أو ضيق الموارد المالية.
وتعد هذه الممارسة صورة من صور التكافل بين عائلات تواجه الظروف نفسها، إذ تساعد الأسرة القادرة على السفر أسرة أخرى، بما يضمن وصول الطعام والاحتياجات إلى معتقل قد يظل محرومًا منها إذا تعذر حضور ذويه في موعد الزيارة.
غير أن الأهالي يتهمون عمارة بتعمد تأخير هذه الأمانات حتى نهاية اليوم، وعدم التعامل معها إلا بعد انتهاء الزيارات، بما يجبر حامليها على الانتظار ساعات إضافية ويحول مساعدة الآخرين إلى عبء وعقوبة مقصودة.
ويبدو أن الهدف من هذا الإجراء، بحسب العائلات، هو دفع الزائرين إلى التوقف عن حمل احتياجات معتقلين آخرين، وبالتالي تفكيك شبكة المساعدة التي نشأت تلقائيًا بين الأسر لمواجهة مشقة السفر والقيود الأمنية وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
إن معاقبة التضامن الإنساني تكشف مستوى بالغًا من القسوة، لأن الطبلية ليست امتيازًا أو محاولة لتجاوز القانون، بل وسيلة اضطرارية ابتكرتها الأسر لضمان عدم ترك معتقل بلا طعام لمجرد أن والدته مريضة أو عائلته تقيم في محافظة بعيدة.
وتتحمل الجهات المشرفة على السجون مسؤولية التحقق المستقل من هذه الاتهامات، وإعلان قواعد موحدة ومكتوبة للزيارات وإدخال الاحتياجات، وفتح مسار آمن للشكاوى، مع مساءلة كل مسؤول يثبت استخدامه سلطته لإهانة الأسر أو تعريض المحتجزين للحرمان.
كما ينبغي تمكين الجهات الحقوقية والقانونية المستقلة من متابعة أوضاع المحتجزين والتواصل مع عائلاتهم، لأن التحقيق الداخلي وحده لا يوفر ضمانة كافية حين يكون المشكو في حقهم جزءًا من المؤسسة نفسها التي تتولى جمع المعلومات وإعلان النتائج.
وتطالب الأسر بوقف التضييق فورًا، وضمان إدخال الاحتياجات الأساسية بكميات مناسبة، وتنظيم الطبلية المشتركة دون عقاب أو تعطيل، ومعاملة الزائرين باحترام، باعتبارهم مواطنين يمارسون حقًا أصيلًا وليسوا متهمين لمجرد قرابتهم من شخص معتقل.
وتبقى مأساة وادي النطرون 2 شاهدًا على أن العقوبة لا تتوقف عند أبواب الزنازين، بل تمتد إلى عائلات بأكملها، بينما يصبح الطعام والانتظار والزيارة أدوات لإدامة الألم، في غياب الشفافية والمحاسبة والرقابة المستقلة.

