ناقش مجلس الوزراء تحويل البورصة المصرية إلى شركة مساهمة قابلة لطرح أسهمها مستقبلاً، بعدما تجاوز رأسمالها السوقي 4 تريليونات جنيه في مصر مطلع أغسطس، بما يفتح الباب أمام تغيير جذري في ملكية المؤسسة وإدارتها.

 

ويأتي التحرك بينما تتوسع الحكومة في بيع الأصول العامة وجذب السيولة بأي ثمن، ما يثير مخاوف من انتقال البورصة نفسها من مؤسسة وطنية منظمة للسوق إلى أصل استثماري يخضع لمصالح المساهمين وحسابات الربح.

 

 

خصخصة تحت لافتة التطوير

 

وبحسب المناقشات الحكومية، يستلزم التحويل تعديل قانون سوق المال رقم 95 لسنة 1992، على أن تنتهي الحكومة من صياغة التعديلات وتمريرها داخل مجلس النواب قبل نهاية 2026 تمهيداً لإعادة هيكلة البورصة قانونياً.

 

وفي المقابل، لم تكشف الحكومة طبيعة الملكية المقترحة ولا نسبة الأسهم المتوقع طرحها ولا الجهات المرشحة للاستحواذ عليها، كما غابت الضمانات التي تمنع تركز الملكية أو انتقال النفوذ إلى مؤسسات مالية مرتبطة بالسلطة.

 

وترى الدكتورة سالي صلاح أن نجاح التحويل لا يقاس بمجرد تغيير الشكل القانوني، وإنما بوجود حوكمة مستقلة وإفصاح كامل ورقابة تمنع تضارب المصالح بين إدارة البورصة والمساهمين والمتعاملين داخل السوق.

 

ووفق هذا التقدير، فإن تحويل المؤسسة إلى شركة مساهمة من دون تحديد قواعد الملكية والتصويت والمساءلة قد يخلق تعارضاً واضحاً، لأن الجهة المنظمة لبيئة التداول ستصبح مطالبة في الوقت نفسه بتحقيق عائد لمساهميها.

 

كذلك تطرح الخطوة سؤالاً جوهرياً بشأن المستفيد الحقيقي من الطرح، خصوصاً مع ضعف مشاركة المواطنين في البورصة واتساع نفوذ المؤسسات الكبرى، بما قد يحول الملكية العامة إلى حصص تتركز لدى أصحاب السيولة.

 

ومن ناحية أخرى، تسوق الحكومة المشروع باعتباره وسيلة لتطوير سوق المال وزيادة كفاءته، لكنها لم تقدم حتى الآن دراسة معلنة توضح التكلفة أو العائد أو أثر التحويل على صغار المستثمرين وحماية مدخراتهم.

 

وفضلاً عن ذلك، لا يمثل ارتفاع رأس المال السوقي إلى أكثر من 4 تريليونات جنيه دليلاً كافياً على تحسن اقتصادي حقيقي، لأن التضخم وتراجع قيمة الجنيه يرفعان القيم الاسمية للأسهم من دون توسع إنتاجي مماثل.

 

وعليه، تبدو نسبة الزيادة البالغة 33 في المائة منذ نهاية ديسمبر 2025 بحاجة إلى قراءة حذرة، إذ ارتفع رأس المال من نحو 3 تريليونات جنيه وسط اقتصاد يعاني الديون والغلاء وضعف الاستثمار المنتج.

 

 

مكاسب اسمية ومخاطر فعلية

 

ويقول الدكتور محمد فؤاد إن تقييم الزيادة في رأس المال السوقي يجب أن يراعي التضخم وسعر الصرف وأرباح الشركات الحقيقية، لأن تضخم الأرقام بالجنيه لا يعني بالضرورة زيادة مماثلة في القيمة الاقتصادية.

 

وبالتالي، فإن الاحتفاء الحكومي بالقفزة السوقية قد يخفي تراجعاً عند قياس القيمة بعملات مستقرة، فضلاً عن أن صعود أسهم محدودة ذات أوزان كبيرة لا يعكس بالضرورة تحسناً شاملاً في أوضاع الشركات المقيدة.

 

كما أن تحديث البنية التكنولوجية لأنظمة التداول والرقابة يظل مطلباً ضرورياً، لكنه لا يحتاج حتماً إلى تغيير ملكية البورصة، إذ تستطيع الدولة تمويل التطوير ورفع الكفاءة مع إبقاء المؤسسة تحت ملكية عامة واضحة.

 

ولزيادة نشاط السوق، تبحث الحكومة تطوير الاقتراض بغرض البيع والمشتقات وصناعة السوق، وهي أدوات قد تعزز السيولة، لكنها تحمل مخاطر مرتفعة إذا طبقت داخل سوق يعاني ضعف الثقافة المالية وتفاوت القدرة على الوصول للمعلومات.

 

لذلك، يتطلب إدخال هذه الأدوات رقابة صارمة وحدوداً واضحة للرفع المالي والإفصاح عن المخاطر، حتى لا تتحول المضاربات المعقدة إلى وسيلة لنقل الخسائر نحو صغار المستثمرين بينما تحصد المؤسسات الكبرى الأرباح.

 

ومن ثم، فإن تقديم المشتقات المالية باعتبارها حلاً سحرياً يختزل أزمة البورصة، لأن المشكلة تشمل ندرة الطروحات الجيدة وضعف ثقة المستثمرين وتراجع عدد الشركات، إلى جانب اضطراب السياسات الاقتصادية والنقدية.

 

غير أن الحكومة تراهن أيضاً على توجيه أموال صناديق التأمين الخاصة نحو الأسهم وصناديق الاستثمار المقيدة، وهو توجه يمس مدخرات العاملين ويستلزم قواعد دقيقة تمنع تعريض حقوقهم لموجات تقلب حادة.

 

علاوة على ذلك، لا يجوز استخدام أموال التأمين بوصفها مصدراً سهلاً لتنشيط التداول أو دعم الأسعار، فهذه الأموال مخصصة لحماية أصحابها مستقبلاً، وأي مخاطرة بها يجب أن ترتبط بدراسات اكتوارية مستقلة.

 

وبناء على ذلك، ينبغي نشر نسب الاستثمار المقترحة ومعايير اختيار الأسهم وآليات الرقابة على مديري الصناديق، بدلاً من ترك القرار لتوجيهات حكومية قد تقدم احتياجات السوق العاجلة على مصالح المؤمن عليهم.

 

 

أسئلة الملكية والرقابة

 

ويرى وائل النحاس أن توسيع قاعدة المستثمرين يمكن أن يدعم السيولة، لكنه يشدد في تحليلاته للسوق على أهمية الإفصاح والثقة وعدالة التداول، وهي عناصر لا يضمنها وحده تحويل البورصة إلى شركة مساهمة.

 

وفي السياق نفسه، قد يمنح الطرح إدارة البورصة مرونة مالية وتشغيلية، إلا أن هذه الميزة تفقد قيمتها إذا بقي تعيين القيادات والقرارات الكبرى خاضعاً لتدخل السلطة التنفيذية بعيداً عن المساهمين والرقابة المستقلة.

 

ومع ذلك، تستند الحكومة إلى تجارب أسواق خليجية تحولت إلى شركات مساهمة، لكن نقل النموذج يتجاهل اختلاف أحجام الاقتصادات ومستويات السيولة وقوة المؤسسات الرقابية وقدرة كل سوق على اجتذاب الطروحات والاستثمارات الأجنبية.

 

وفي حين نجحت بعض التجارب الإقليمية في بناء شركات تشغيل بورصات قوية، فإن نجاحها ارتبط بقواعد ملكية معلنة وبنية تكنولوجية متقدمة واستقرار اقتصادي، لا بمجرد تغيير الاسم القانوني أو طرح نسبة من الأسهم.

 

أما في مصر، فتأتي الخطوة بعد موجات متتالية من بيع حصص حكومية تحت ضغط نقص العملة الأجنبية وأعباء الديون، ما يجعل الشك مشروعاً في كون المشروع تطويراً مؤسسياً أم حلقة جديدة لتسييل الأصول.

 

وإلى جانب ذلك، يظل غياب الحوار المجتمعي أحد أبرز أوجه الانتقاد، إذ لم تعرض الحكومة تصورها على المستثمرين والنقابات والخبراء بصورة شفافة، ولم تنشر مسودة التعديلات أو تقييم المخاطر المرتبطة بالتحويل.

 

لهذا، يحتاج مجلس النواب إلى مناقشة حقيقية لا تمرير سريع، تشمل حدود ملكية المستثمر الواحد ومنع استحواذ الجهات المرتبطة وحماية البيانات وضمان استقلال الرقابة وتحديد مصير العاملين وحقوقهم بعد إعادة الهيكلة.

 

وفي المحصلة، لا يكمن الاعتراض في تطوير البورصة أو تحديث أدواتها، بل في استخدام التطوير ستاراً لتحويل مؤسسة عامة تبلغ قيمتها السوقية 4 تريليونات جنيه إلى فرصة استحواذ جديدة بلا ضمانات كافية.

 

وأخيراً، سيبقى الحكم على المشروع مرهوناً بكشف تفاصيل الملكية والتقييم والطرح والرقابة، لأن البورصة ليست مبنى قابلاً للبيع، بل مؤسسة تمس مدخرات المصريين وتمويل الشركات واستقرار الاقتصاد وحق المجتمع في معرفة مصير أصوله.