عاد سؤال لطالما ارتبط بحكايات البحارة والأساطير القديمة إلى الواجهة مجددًا: هل تستطيع الحيتان ابتلاع الإنسان بالفعل؟

 

وجاءت الإجابة العلمية على هذا السؤال في أعقاب واقعة نادرة أثارت اهتمامًا واسعًا، بعدما وجد غواص نفسه داخل فم حوت أحدب قبالة سواحل كيب كود بولاية ماساتشوستس الأمريكية.

 

وروى الغواص مايكل باركارد أنه فوجئ بالحوت أثناء وجوده في البحر، قبل أن يجد نفسه للحظات داخل فمه الضخم، في تجربة وصفها بأنها كانت أشبه بمواجهة الموت.

 

وبحسب رواية باركارد، استمر وجوده داخل فم الحوت لنحو 30 ثانية، قبل أن يلفظه الحيوان إلى خارج فمه، ليعود الغواص إلى سطح المياه وينجو من الحادث.

 

ورغم أن الواقعة بدت للوهلة الأولى وكأنها تؤكد الأسطورة القديمة التي تتحدث عن الحيتان التي تبتلع البشر، فإن العلماء يوضحون أن الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير، وأن ما حدث لم يكن عملية ابتلاع بالمعنى العلمي، وإنما حادثًا نادرًا انتهى سريعًا بعدما أدرك الحوت أن ما دخل فمه لم يكن فريسة مناسبة.

 

 

فم ضخم.. لكن الحلق لا يسمح بابتلاع الإنسان

 

قد يبدو من الصعب تصديق أن حيوانًا بحريًا عملاقًا يمكن أن يفتح فمه على مساحة تسمح بدخول إنسان، لكن هذا الأمر ممكن بالفعل في حالة بعض أنواع الحيتان.

 

ويُعد الحوت الأحدب من أبرز الأمثلة على ذلك، إذ يمكن أن يصل طول فمه إلى نحو 3.5 أمتار، ما يجعله يبدو قادرًا على ابتلاع كائن بشري بسهولة عند النظر إلى حجم الفم وحده.

 

لكن اتساع الفم لا يعني بالضرورة قدرة الحيوان على ابتلاع ما يدخل إليه.

 

وتوضح نيكولا هودجينز من منظمة الحفاظ على الحيتان والدلافين أن الحوت الأحدب لا يستطيع ابتلاع إنسان من الناحية التشريحية، لأن حلقه ضيق للغاية مقارنة بحجم فمه وجسمه.

 

ويُقدّر حجم حلق الحوت الأحدب في وضعه الطبيعي بحجم قبضة اليد تقريبًا، ويمكن أن يتمدد ليصل إلى قطر أكبر عند ابتلاع فرائس مناسبة لطبيعته الغذائية، إلا أنه يظل غير قادر على تمرير جسم بحجم إنسان.

 

ومن هنا، فإن الصورة التي قد تتبادر إلى الذهن عن إنسان يدخل فم الحوت ثم ينتقل إلى معدته لا تتوافق مع التركيب التشريحي للحوت الأحدب.

 

 

لماذا ابتلع الحوت الغواص داخل فمه إذن؟

 

يرجح العلماء أن ما حدث مع مايكل باركارد كان نتيجة حادث عرضي أثناء تغذية الحوت.

 

فالحيتان الحدباء لا تصطاد البشر ولا تتغذى عليهم، وإنما تعتمد على كميات كبيرة من الأسماك الصغيرة والكائنات البحرية الدقيقة، وتستخدم أفواهها الضخمة للحصول على كمية كبيرة من المياه المحتوية على الغذاء.

 

وعندما يفتح الحوت فمه أثناء التغذية، يمكن أن يدخل إليه قدر هائل من الماء والأسماك في لحظة واحدة. وفي ظروف نادرة للغاية، قد يجد إنسان موجود بالقرب من الحوت نفسه داخل هذه الكتلة المائية.

 

وفي حالة باركارد، يبدو أن الحوت أدرك سريعًا أن الجسم الموجود داخل فمه ليس فريسة، فقام بلفظه مرة أخرى.

 

وبذلك، لم يكن الحيوان يحاول مهاجمة الغواص أو التهامه، بل كان على الأرجح يمارس سلوكًا طبيعيًا أثناء التغذية، قبل أن يكتشف وجود جسم غير مألوف داخل فمه.

 

 

الحيتان ليست جميعها متشابهة

 

لفهم إمكانية ابتلاع الإنسان من عدمها، يجب أولًا التمييز بين الأنواع المختلفة من الحيتان، لأن الحيتان لا تمتلك جميعها النظام الغذائي نفسه ولا التركيب التشريحي ذاته.

 

وتنقسم الحيتان بصورة عامة إلى مجموعتين رئيسيتين: الحيتان ذات الأسنان والحيتان البالينية.

 

الحيتان ذات الأسنان تمتلك أسنانًا حقيقية، وتستخدمها في اصطياد فرائس مختلفة، من بينها الأسماك والحبار، بينما تعتمد الحيتان البالينية على صفائح خاصة داخل الفم تعرف باسم البلين بدلًا من الأسنان.

 

ومن بين الحيتان البالينية الحوت الأحدب والحوت الأزرق والحوت الرمادي وحيتان المنك.

 

وتعتمد هذه الحيوانات على التقاط كميات كبيرة من المياه التي تحتوي على الغذاء، ثم إخراج المياه من الفم مع الاحتفاظ بالكائنات الغذائية باستخدام صفائح البلين.

 

 

ما هو البلين؟

 

قد تبدو الصفائح الموجودة داخل فم الحوت الباليني شبيهة بالأسنان عند النظر إليها، لكنها في الحقيقة مختلفة تمامًا.

 

فالبلين عبارة عن صفائح مصنوعة من الكيراتين، وهو بروتين قوي ومرن يوجد أيضًا في شعر الإنسان وأظافره.

 

وعندما يتغذى الحوت، يفتح فمه على نطاق واسع ويدخل كمية هائلة من مياه البحر، ثم يستخدم صفائح البلين كنوع من المصفاة الطبيعية.

 

بعد ذلك يدفع الماء إلى خارج فمه، بينما تبقى الأسماك الصغيرة والكريل والعوالق والكائنات الغذائية عالقة داخل الفم، ليتم ابتلاعها بعد ذلك.

 

وهذا الأسلوب في التغذية يفسر جزئيًا لماذا يمكن أن يصل حجم فم الحوت إلى أبعاد هائلة، في حين يظل حلقه أضيق بكثير من أن يسمح بمرور جسم بشري.

 

 

حوت العنبر.. الاستثناء الأكثر إثارة

 

إذا كان الحوت الأحدب لا يستطيع ابتلاع الإنسان، فهل ينطبق الأمر نفسه على جميع الحيتان؟

 

هنا تظهر حالة استثنائية تثير اهتمام علماء الأحياء البحرية، وهي حوت العنبر.

 

ومن بين نحو 90 نوعًا معروفًا من الحيتان في المحيطات، يُعد حوت العنبر النوع الذي يمتلك جهازًا هضميًا وحلقًا يمكن أن يسمحا، من الناحية التشريحية، بابتلاع جسم بحجم الإنسان.

 

ويختلف حوت العنبر بصورة واضحة عن الحيتان البالينية؛ فهو من الحيتان ذات الأسنان، ويعتمد على اصطياد فرائس أكبر بكثير، من بينها الحبار والأسماك والكائنات البحرية التي تعيش في أعماق المحيطات.

 

ويصل طول حوت العنبر إلى نحو 20 مترًا، ويمتلك مريئًا أكبر بكثير من ذلك الموجود لدى الحيتان البالينية.

 

وليس حجم المريء وحده هو ما يجعل الفكرة ممكنة نظريًا، إذ تشير الدراسات والوقائع المتعلقة بتغذية حوت العنبر إلى قدرته على ابتلاع فرائس ضخمة كاملة.

 

 

الحبار العملاق يكشف سر قدرة حوت العنبر

 

من أكثر الأدلة إثارة على قدرة حوت العنبر على التعامل مع فرائس كبيرة العثور على بقايا وأجسام لحبار ضخم داخل معدة بعض هذه الحيتان.

 

وقد يصل طول الحبار العملاق إلى نحو 14 مترًا، وهو ما يوضح الفارق الهائل بين الفرائس التي يستطيع حوت العنبر التعامل معها وبين الفرائس الصغيرة التي تعتمد عليها الحيتان البالينية.

 

ومن الناحية النظرية، فإن هذه القدرة التشريحية تعني أن ابتلاع إنسان قد يكون ممكنًا بالنسبة إلى حوت العنبر.

 

لكن الإمكان التشريحي لا يعني أن هذا الأمر يحدث في الواقع.

 

فاحتمالية تعرض الإنسان للابتلاع من جانب حوت عنبر تظل شديدة الندرة، ليس فقط بسبب طبيعة الحيوان، ولكن أيضًا لأن حيتان العنبر تعيش في مناطق عميقة جدًا من المحيطات، بعيدًا عن معظم الأنشطة البشرية والغوص التقليدي.

 

 

لماذا نادرًا ما يلتقي البشر بحوت العنبر؟

 

تعيش حيتان العنبر في أعماق كبيرة، ويمكن أن تنزل إلى أعماق تتجاوز 300 متر، وهو ما يجعلها مختلفة عن العديد من الحيتان التي يمكن مشاهدتها بالقرب من سطح البحر.

 

ويشير روب ديفيل من برنامج التحقيق في جنوح الحيتان التابع لجمعية علم الحيوان في لندن إلى أن معظم البشر لن يحصلوا على فرصة لرؤية حوت عنبر في بيئته الطبيعية.

 

وعلى الرغم من انتشار هذا النوع في مناطق واسعة من محيطات العالم، فإن نمط حياته في الأعماق يجعل فرص المواجهة المباشرة مع البشر محدودة للغاية.

 

وبالتالي، فإن السيناريو الذي تتخيله بعض القصص القديمة عن إنسان يواجه حوتًا ضخمًا ثم يجد نفسه داخل معدته لا يمثل سيناريو معتادًا في عالم البحار.

 

 

من أين جاءت أسطورة الحوت الذي يبتلع الإنسان؟

 

ارتبطت الحيتان منذ آلاف السنين بالأساطير والحكايات البحرية، وكان حجمها الهائل كافيًا لتغذية خيال البحارة والقصاصين.

 

ومع مرور الزمن، تحولت بعض المواجهات النادرة أو القصص البحرية إلى روايات متداولة تتحدث عن حيتان تبتلع البشر ثم تعيدهم إلى البحر، وأصبحت هذه الفكرة جزءًا من الأدب الشعبي والثقافة العامة.

 

كما ساهمت القصص الدينية والأدبية الشهيرة التي تتحدث عن الإنسان داخل بطن الحوت في ترسيخ الصورة الذهنية للحوت باعتباره قادرًا على ابتلاع البشر.

 

لكن العلم الحديث قدم تفسيرًا مختلفًا، إذ أظهر أن قدرة الحوت على فتح فمه على مساحة ضخمة لا تعني بالضرورة امتلاكه حلقًا أو مريئًا يسمح بمرور إنسان.

 

 

هل الحيتان عدوانية تجاه البشر؟

 

رغم المخاوف التي قد يشعر بها الإنسان عند الاقتراب من حيوان بحري يصل طوله إلى عشرات الأمتار، فإن الحيتان لا تُصنف عمومًا باعتبارها حيوانات عدوانية تجاه البشر.

 

ويؤكد علماء الأحياء البحرية أن معظم الحوادث التي يتعرض فيها البشر للحيتان لا تعكس سلوكًا متعمدًا لافتراس الإنسان.

 

وفي حالة الحوت الأحدب، فإن النظام الغذائي للحيوان نفسه يقدم تفسيرًا واضحًا؛ فهذا النوع يتغذى أساسًا على الأسماك الصغيرة والكريل وغيرها من الكائنات البحرية، وليس على الثدييات البرية أو البشر.

 

لذلك، فإن دخول إنسان إلى فم الحوت في حادثة نادرة لا يعني أن الحوت كان يحاول افتراسه.

 

 

الإنسان يمثل خطرًا أكبر على الحيتان

 

المفارقة أن المخاوف المتعلقة بالحيتان قد تكون في كثير من الأحيان معكوسة؛ فالحيتان تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب النشاط البشري.

 

ويشير روب ديفيل إلى أن الحيتان قد تكون أكثر خوفًا من البشر بسبب التهديدات التي يمثلها الإنسان لها، ومن بينها الصيد والتلوث وتدمير الموائل البحرية.

 

كما تواجه الحيتان مخاطر مرتبطة بتغير البيئة البحرية، والتشابك في معدات الصيد، والاصطدام بالسفن في بعض المناطق، فضلًا عن تراكم الملوثات في السلاسل الغذائية البحرية.

 

وهكذا، فإن السؤال الذي بدأ بـ"هل يستطيع الحوت ابتلاع الإنسان؟" يقود في النهاية إلى سؤال أكثر أهمية: هل يملك الإنسان القدرة على حماية هذه الكائنات العملاقة من التأثيرات التي يفرضها عليها؟

 

 

حادثة نادرة لا تغير حقيقة علمية

 

تكشف واقعة الغواص مايكل باركارد أن الطبيعة يمكن أن تنتج مواقف استثنائية يصعب تصديقها حتى بالنسبة للعلماء، لكن تفسير هذه الوقائع يحتاج إلى العودة إلى التشريح والسلوك الحيواني، وليس إلى الأساطير.

 

فالحوت الأحدب يستطيع بالفعل أن يفتح فمه على نطاق هائل، وقد يجد إنسان نفسه داخله في حادث نادر، إلا أن حلقه لا يسمح له بابتلاع الإنسان والوصول به إلى المعدة.

 

أما حوت العنبر، فهو يمثل الاستثناء من الناحية التشريحية، إذ يمتلك القدرة على ابتلاع فرائس ضخمة، بما يجعل ابتلاع إنسان ممكنًا من الناحية الجسدية.

 

ومع ذلك، يظل هذا السيناريو شديد الندرة، ولا توجد أسباب تجعل البشر يتعاملون مع حيتان العنبر باعتبارها مفترسات للبشر.