عاد ملف دير سانت كاترين ومحيطه التاريخي إلى واجهة الجدل في مصر، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات الإجراءات الحكومية المرتبطة بمشروع «التجلي الأعظم» على واحد من أكثر المواقع التاريخية أهمية في البلاد، والمدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو».
وفي تطور جديد، طالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حكومة الانقلاب العسكري بوقف ما وصفته بالإجراءات والضغوط الرامية إلى تغيير الطبيعة التاريخية والخصوصية الثقافية للموقع، محذرة من أن استمرار أعمال التطوير والتغييرات المقترحة في وضع ملكية الأراضي والمحيط الجغرافي للدير قد يؤدي إلى الإضرار بسلامة الموقع وأصالته، فضلًا عن المساس بطبيعته.
وتأتي هذه المطالب في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول مستقبل الدير ومحيطه، ومدى توافق مشروعات التطوير السياحي والعمراني مع الالتزامات المترتبة على إدراج المنطقة ضمن قائمة التراث العالمي.
قرار اليونسكو يضع مشروع «التجلي الأعظم» تحت المجهر
تستند المبادرة المصرية في مطالبها الأخيرة إلى القرار الذي اعتمدته لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو خلال اجتماعها السنوي في يوليو الماضي، والذي جاء بالإجماع وطالب مصر بوقف أعمال المشروع إلى حين إجراء تقييم فني متخصص لتأثيراته على الموقع التراثي.
ويمثل القرار محطة مهمة في الجدل الدائر حول مشروع «التجلي الأعظم»، الذي يستهدف تطوير المنطقة المحيطة بمدينة سانت كاترين وتحويلها إلى مجموعة واسعة من الأعمال الإنشائية والخدمية والسياحية.
وتقول المبادرة إن قرار اليونسكو استند إلى تقرير صادر عن المجلس الدولي للمعالم والمواقع «الإيكوموس»، خلص إلى أن الإنشاءات التي نُفذت بالفعل خلّفت آثارًا سلبية جسيمة ودائمة على سلامة الموقع وأصالته ومحيطه الطبيعي.
ضغوط على رهبان الدير لتوقيع اتفاق جديد
وبالتوازي مع الجدل حول أعمال التطوير، كشفت المبادرة المصرية، استنادًا إلى إفادات قالت إنها حصلت عليها من مصادر قريبة من الدير، عن استمرار ضغوط على رهبان سانت كاترين من أجل توقيع اتفاق من شأنه، بحسب روايتها، تكريس وضع قانوني جديد للأراضي والمحيط الجغرافي التاريخي للدير.
وتقول المبادرة إن الاتفاق المقترح من شأنه تجريد الرهبان من حق ملكية الأراضي والمناطق المحيطة بالدير، وحصر وجودهم بحيث يقتصر حقهم على إقامة الشعائر داخل المواقع.
رئيس الدير الجديد.. ورقة في الخلاف
ومن أبرز الملفات التي أثارتها المبادرة المصرية مسألة رئيس دير سانت كاترين، حيث أشارت إلى امتناع مؤسسة الرئاسة عن إصدار القرار الجمهوري الخاص بالتصديق على تعيين رئيس الدير الجديد، الذي قالت إن مجمع الآباء انتخبه في أكتوبر 2025.
وبحسب الإفادات التي أوردتها المبادرة، فإن إصدار القرار الجمهوري مرتبط بتوقيع الاتفاق محل الخلاف، وهو ما يجعل ملف تعيين رئيس الدير جزءًا من الأزمة الأوسع المتعلقة بالوضع القانوني للدير والرهبان.
وتضيف المبادرة أن الصيغة المقترحة لوضع رئيس الدير قانونيًا تتضمن تجديد إقامته كل ثلاث سنوات، إلى جانب عدم منحه الجنسية المصرية، خلافًا لما جرى مع عدد من أسلافه خلال العقود الماضية.
تناقض بين بيانات رسمية بشأن وقف المشروع
ومن النقاط الرئيسية التي أثارتها المبادرة المصرية أيضًا ما وصفته بالتناقض بين ما أبلغت به الحكومة، منظمة اليونسكو بشأن المشروع، وبين التصريحات الصادرة عن مسؤولين مصريين بشأن معدلات التنفيذ.
وتشير المبادرة إلى أن تقارير اليونسكو تضمنت إبلاغ الحكومة للمنظمة بصدور توجيه رئاسي في سبتمبر 2025 بتعليق المشروع.
لكن في المقابل، تقول المبادرة إن تصريحات لمسؤولي وزارتي الإسكان وتعمير سيناء تحدثت عن وصول معدلات تنفيذ المشروع إلى نحو 97.5%.
وتعتبر المبادرة أن الفارق بين الحديث عن تعليق المشروع وبين الإعلان عن ارتفاع معدلات التنفيذ يطرح تساؤلات حول طبيعة القرارات التي اتخذت بالفعل، وما إذا كان هناك قرار رسمي واضح بوقف الأعمال، ومدى إبلاغ الجهات المعنية به.
كما تشير إلى عدم إخطار أسقفية الروم الأرثوذكس في سيناء، وفق روايتها، بأي قرارات رسمية تقضي بوقف المشروع.
النزاع انتقل إلى ساحات القضاء
وتقول المبادرة المصرية إن محكمة النقض تنظر حاليًا طعنين على الحكم الصادر عن محكمة استئناف الإسماعيلية في 28 مايو 2025، والذي قضى بطرد الرهبان من الأراضي الخدمية وغير الدينية وتسليمها إلى محافظة جنوب سيناء.
وترى المبادرة أن الإجراءات الحالية قد تستبق حسم النزاع أمام محكمة النقض، بما يجعل أي تغيير في طبيعة الملكية أو الحيازة قبل صدور الحكم النهائي محل تساؤلات قانونية وحقوقية.
وبالتالي، فإن أحد أبرز الأسئلة المطروحة حاليًا يتعلق بمدى إمكانية إعادة ترتيب الوضع القانوني للأراضي والممتلكات في الوقت الذي لا تزال فيه الطعون القضائية بشأنها قيد النظر.

