شهد ملف تكليف خريجي دفعة 2023 من كليات العلاج الطبيعي تصعيدًا جديدًا، بعد إعلان النقابة العامة للعلاج الطبيعي رفضها قرارات اللجنة العليا للتكليف، التي أقرت تعيين 1366 طبيب علاج طبيعي فقط، في قرار وصفته النقابة بأنه “مخيب للآمال والطموحات”، ولا يعبر عن حجم الاحتياج الفعلي داخل القطاع الصحي، ولا عن الأعداد الكبيرة من الخريجين المنتظرين للالتحاق بالمنظومة الحكومية.

 

أرقام محدودة لا تواكب الاحتياج ولا توسع كليات العلاج الطبيعي

 

بيان النقابة أوضح أن اعتماد تكليف 1366 من خريجي دفعة 2023 لا يقترب من الاحتياج الحقيقي لخدمات التأهيل والعلاج الطبيعي داخل المستشفيات الحكومية ومراكز رعاية ذوي الهمم، خاصة في ظل توسع واضح في عدد كليات العلاج الطبيعي خلال السنوات الأخيرة، وما ترتب عليه من زيادة كبيرة في أعداد الخريجين الباحثين عن فرصة تدريب وعمل داخل القطاع العام.

 

النقابة شددت على أن هذه القرارات لا تعكس “حجم الاحتياج الفعلي” للأطقم المتخصصة في التأهيل داخل الأقسام الداخلية، والعنايات المركزة، وقسم العظام، والأطفال، والأعصاب، إضافة إلى مراكز رعاية ذوي الإعاقة، وهي قطاعات تحتاج، بحسب النقابة، إلى دعم مستمر بعناصر شابة مدرَّبة، لضمان استمرارية الخدمة ورفع كفاءتها على مستوى الجمهورية.

 

هذا الموقف يتقاطع مع تحذيرات سابقة من النقيب العام للعلاج الطبيعي، د. سامي سعد، الذي أشار إلى أن مصر تضم نحو 75 كلية للعلاج الطبيعي، وأن هذه الكليات أصبحت جميعها “في عنق النقابة”، بما يعني تضخم أعداد الخريجين مقابل قدرة سوق العمل الرسمي على استيعابهم، ما يستلزم سياسات تكليف أكثر اتساعًا وعدالة، بدلًا من الاكتفاء بأرقام محدودة لا تراعي هذا التوسع.

 

نداء للسلطة التنفيذية والبرلمان وتأكيد على أهمية التأهيل الطبي

 

النقابة وجهت نداءً صريحًا إلى قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، ووزير الصحة، ووزير المالية، مطالبة بالتدخل العاجل لإعادة النظر في قرار اللجنة العليا للتكليف، والانتقال من سياسة الأعداد المحدودة إلى تكليف الدفعة كاملة، حفاظًا على مستقبل شباب المهنة، وضمان استمرار قنوات التدريب والتطوير داخل المستشفيات والهيئات الحكومية.

 

البيان أكد أن المرحلة الحالية تتطلب “رؤية أكثر اتساعًا” تراعي الظروف الاقتصادية والاجتماعية لخريجي المهن الطبية، في ظل ارتفاع كلفة الدراسة، وزيادة الضغط على الأسر، وتزايد الطلب المجتمعي على خدمات التأهيل، خصوصًا في مناطق تعتمد على المستشفيات الحكومية كمصدر شبه وحيد للرعاية، بما يجعل ترك جزء كبير من الدفعة خارج التكليف الرسمي قرارًا يحمل آثارًا اجتماعية ومهنية ممتدة.

 

وفي السياق نفسه، يذكّر أمين صندوق النقابة العامة للعلاج الطبيعي، د. أحمد عزت، بموقف سابق للنقابة حين جدد، في نوفمبر 2025، مناشدة وزير الصحة ورئيس اللجنة العليا للتكليف بسرعة إعلان حركة تكليف دفعة 2023، وضمان حق الدفعة كاملة في فرصة لخدمة الوطن والمساهمة في المنظومة الصحية، وهو ما يعطي بعدًا إضافيًا لاعتراض النقابة الحالي على الاكتفاء بـ1366 مكلفًا فقط.

 

تخصص حيوي لذوي الهمم والقطاع الصحي بين الاحتياج والقرار الإداري

 

النقابة شددت في بيانها على أن العلاج الطبيعي يمثل “ركيزة أساسية” في منظومة الرعاية الصحية، وليس دورًا هامشيًا يمكن الاستغناء عنه، خاصة داخل مراكز التأهيل ورعاية ذوي الهمم، وأقسام الإصابات والأعصاب والعظام، معتبرة أن أي تقليص في أعداد المكلفين ينعكس مباشرة على جودة الخدمة المقدمة للمرضى، وعلى سرعة تعافيهم، وعلى أعباء العمل الواقعة على الكوادر القائمة بالفعل داخل المستشفيات.

 

كما أشارت إلى وجود “حاجة ملحة” لدعم هذا القطاع بعناصر شابة مؤهلة، قادرة على التعامل مع بروتوكولات تأهيل حديثة، ومع تزايد أعداد المرضى المحتاجين لجلسات علاج طبيعي بعد العمليات الكبرى أو الحوادث أو السكتات الدماغية، وأن ربط التكليف بأعداد ضيقة يتجاهل هذه التطورات، ويخلق فجوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن دعم ذوي الهمم، والقرارات الفعلية المتعلقة بتوزيع الكوادر على أرض الواقع.

 

هذا الطرح ينسجم مع ما أكده النقيب العام، د. سامي سعد، في مناسبات عدة، حين شدد على أن مهنة العلاج الطبيعي حظيت بعدة قوانين تؤكد أهميتها منذ سبعينيات القرن الماضي، وأن الدولة نفسها تصدّر متخصصين في العلاج الطبيعي إلى أسواق خارجية، ما يعني وجود اعتراف رسمي بقيمة التخصص، وأن تقليص فرص التكليف الداخلي يتعارض مع هذا الاعتراف، ويضعف قدرة المنظومة على الاستفادة من الكوادر التي أنفقت عليها الأسر والدولة.

 

من جانبه، لفت د. أحمد عزت في تصريحات سابقة إلى أن ارتفاع عدد كليات العلاج الطبيعي من 5 إلى نحو 60 كلية خلال سنوات قليلة، بالتوازي مع تحول التكليف إلى نظام “وفقًا للاحتياج”، خلق حالة من التوتر داخل صفوف الخريجين، الذين باتوا أمام معادلة صعبة تجمع بين تضخم الأعداد وتراجع فرص التعيين الحكومي المباشر، وهو ما يفسر حدة رد الفعل على قرار الاكتفاء بـ1366 مكانًا فقط للدفعة الجديدة.

 

مسار قانوني تصعيدي ودور النقابة كأداة ضغط مهنية

 

بيان النقابة لم يكتفِ برفض قرار اللجنة العليا للتكليف، بل أعلن صراحة التمسك بالطعن عليه، واتخاذ “جميع الإجراءات القانونية والقضائية اللازمة” للدفاع عن حقوق خريجي دفعة 2023، مع التأكيد على متابعة الملف بشكل لحظي، بما يشمل تحركات أمام الجهات التنفيذية، وخطوات محتملة أمام القضاء الإداري، في محاولة لفرض إعادة النظر في الأعداد المعتمدة، أو توسيع فرص التكليف الجزئي والتدريب المنظم داخل المستشفيات الحكومية والجامعية.

 

هذا التوجه يتوافق مع رؤية وكيل النقابة العامة للعلاج الطبيعي، د. حافظ شوقي، الذي وصف النقابات المهنية سابقًا بأنها “قوة مؤثرة في الشارع المصري”، وأن دور نقابته لا يقتصر على الخدمات الاجتماعية، بل يمتد إلى الدفاع القانوني عن المهنة وحقوق أعضائها، بما في ذلك اللجوء إلى القضاء عند شعور المجلس بأن قرارات رسمية تهدد مستقبل الخريجين أو تضيق على ممارسة المهنة بشكل عادل ومتوازن.

 

وفي ختام بيانها، أكدت النقابة أنها، رغم تصعيدها القانوني ورفضها الواضح لأرقام التكليف المعتمدة، ما زالت تثق في “حرص القيادة السياسية على دعم أبناء المهن الطبية”، وترى أن إعادة النظر في قرار اللجنة العليا للتكليف ضرورة ملحة لتحقيق الاستقرار الوظيفي لشباب العلاج الطبيعي، وتعزيز كفاءة القطاع الصحي ككل، مشددة على أن الهدف الأول يبقى “خدمة الوطن والمواطن”، مع حفظ حقوق أجيال متتالية من خريجي كليات العلاج الطبيعي في مسار مهني عادل داخل المنظومة العامة.