ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي أمام الجنيه المصري في آخر التعاملات بنحو 1.2%، بعد فترة قصيرة من التقاط العملة المحلية لأنفاسها وتعافيها النسبي في نهاية عام 2025، ليعود السؤال عن قدرة هذا التحسن على الصمود أمام ضغط السوق وانتظار مراجعة حاسمة من صندوق النقد الدولي أواخر فبراير، وسط آراء متباينة لخبراء يرون في الخطوة دعمًا للاستقرار أو تمهيدًا لموجة جديدة من الأعباء على المواطنين.
سعر الصرف يقفز مجددًا قبل أيام من اجتماع 25 فبراير
تحركات السوق أظهرت عودة الدولار إلى الاقتراب من مستوى 47.5 جنيه في عدد من البنوك، مع تسجيل أعلى سعر لدى كريدي أغريكول وبنك التنمية الصناعية عند 47.58 جنيه للشراء و47.68 جنيه للبيع، مقابل أقل سعر لدى “ميد بنك” عند 46.84 جنيه للشراء و46.94 جنيه للبيع، بينما استقر السعر في بنوك كبيرة مثل الأهلي ومصر وقطر الوطني والعربي الأفريقي قرب 47.54 جنيه للشراء و47.64 جنيه للبيع، وسجل البنك المركزي المصري 47.52 جنيه للشراء و47.66 جنيه للبيع، في إشارة إلى ضيق الفارق بين السعرين الرسمي والمصرفي.
هذا التحرك يأتي بعد عام أنهى فيه الجنيه 2025 على أداء وصف بالقوي نسبيًا، مع مكاسب تقارب 6.7% أمام الدولار بدعم من قفزة في تحويلات العاملين بالخارج وتحسن السيولة داخل الجهاز المصرفي، لكن التحسن ظل هشًا في ظل استمرار الفجوة بين احتياجات التمويل الخارجي وحجم الموارد المستقرة، ومع ترقب المستثمرين مسار العلاقة مع صندوق النقد وشروط المراجعات المتتالية للبرنامج الممتد.
ترى د. عالية المهدي أن تجربة 2016، حين تم توقيع أول اتفاق كبير مع صندوق النقد وتحرير سعر الصرف، شكلت نقطة تحول في مسار الاقتصاد، إذ أفرزت سعرًا “أكثر واقعية” يعكس العرض والطلب، لكنها حذرت في تصريحات سابقة من أن الاقتراض من الصندوق، رغم دعمه المؤقت للجنيه، يرفع عبء الدين العام، وتوقعت في وقت لاحق تحركات تدريجية في سعر الصرف بدلاً من تعويمات عنيفة جديدة، مع أهمية تشجيع الاستثمار والصناعة والزراعة لتقليل الاعتماد على التمويل القصير الأجل.
مراجعة صندوق النقد: سيولة إضافية أم باب لضغوط جديدة؟
المشهد المالي يزداد حساسية مع إعلان المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، جولي كوزاك، إدراج مصر على جدول اجتماع المجلس التنفيذي يوم 25 فبراير، لمناقشة المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج تسهيل الصندوق الممدد، إلى جانب المراجعة الأولى لبرنامج الصلابة والاستدامة، بما قد يتيح شريحة تمويلية إجمالية تقارب 2.3 مليار دولار إذا تمت الموافقة النهائية، وهي أموال تعوّل عليها الحكومة لتخفيف ضغط الدولار وتمويل عجز الميزان الخارجي.
هذه المراجعات لا تنفصل عن شروط واضحة كررها الصندوق في بياناته، من بينها تسريع برنامج الطروحات وبيع حصص في الشركات العامة لصالح القطاع الخاص، وتخفيض دعم الوقود تدريجيًا، وإعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد، وهي ملفات أثارت في مرات سابقة جدلًا واسعًا حول كلفة الإصلاح على الطبقات المتوسطة والفقيرة، وحول ما إذا كانت السلطة تنفذ خطوات بنيوية حقيقية أم تكتفي بتحركات جزئية مع كل مراجعة جديدة.
الخبير الاقتصادي د. محمد فؤاد يرى أن أجواء المراجعتين الخامسة والسادسة تبدو أكثر هدوءًا من الجولات السابقة، مع تحسن نسبي في بعض المؤشرات وقدرة أكبر على التواصل مع المؤسسات الدولية، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن تأجيل شرائح سابقة ودمجها في مراجعات لاحقة كان إشارة واضحة إلى بطء تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وإلى علاقة “مرهقة” مع الصندوق تقوم على التعهدات المتكررة والتأخر في التنفيذ، ما يجعل أي تمويل جديد مرهونًا بإثبات جديّة أكبر في ملفات مثل الطروحات وخروج الدولة من بعض الأنشطة.
الجنيه بين توقعات مزيد من الضعف وكلفة اجتماعية متنامية
التوقعات الدولية لسعر الدولار مقابل الجنيه خلال 2026 تشير إلى استمرار ضغوط الضعف، مع بقاء أغلب النماذج الفنية قرب نطاق 52–55 جنيهًا للدولار في المتوسط، وفق تقارير حديثة ترصد تأثير تشديد شروط الصندوق، وتراجع الفجوة بين السعرين الرسمي وغير الرسمي، وتباطؤ التدفقات طويلة الأجل، رغم التحسن المؤقت الذي حدث بعد تعويم مارس وعودة جزء من السيولة الدولارية للنظام المصرفي.
د. هاني توفيق كان قد حذر في مناسبات سابقة من أن تخفيض قيمة الجنيه يظل “أمرًا واردًا”، متوقعًا زيادات تدريجية في سعر الصرف مع تغير معدلات التضخم وخروج الأموال الساخنة، وأكد أن الدفاع الجاد عن العملة يحتاج إلى عشرات المليارات من الدولارات وليس مجرد شرائح متفرقة من صندوق النقد، معتبرًا أن أي سعر رسمي لا يعكس قوى العرض والطلب الواقعية لن يصمد طويلًا أمام ضغوط السوق، مهما بدا مستقرًا لفترة قصيرة.
في المقابل، تنظر سالي صلاح بحدة إلى اقتراب موعد 25 فبراير، وترى أن كل مراجعة جديدة مع الصندوق ترتبط، في التجربة المصرية، بموجة لاحقة من الإجراءات التي تصيب الشرائح الأضعف، سواء عبر زيادات في أسعار الوقود أو الخدمات أو تحريك جديد لسعر الصرف، وتعتبر أن التعويل المتكرر على التمويل الخارجي، دون تغيير نموذج الاقتصاد القائم على بيع الأصول والاستدانة، يجعل أي تحسن مؤقت في سعر الجنيه مجرد فاصل قصير قبل ضغوط جديدة على الدخول الحقيقية للمواطنين.
هذا التباين في تقييم الدور الذي يلعبه الصندوق ينعكس في قراءة د. عالية المهدي التي تركز على أهمية وجود سعر صرف واقعي وإصلاحات هيكلية تحفز الإنتاج والصادرات، في مقابل أصوات مثل سالي صلاح تحذر من “تطبيع” الاعتماد على القروض وخصخصة الأصول كحل شبه وحيد، بينما يقف خبراء مثل د. محمد فؤاد في منطقة وسط، يرون أن إنجاز مراجعة 25 فبراير بنجاح سيخفف الضغط قصير الأجل على الجنيه، لكنه لن يغيّر الصورة ما لم تتقدم الحكومة فعليًا في ملفات العدالة الاجتماعية وتعديل هيكل النمو بعيدًا عن المضاربات والعقار والإنفاق المعتمد على الديون.
في ضوء تحرك الدولار الأخير وعودة الجنيه إلى التراجع، تبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة الحكومة على استثمار أي تمويل جديد في تثبيت حقيقي لسعر الصرف عبر زيادة الإنتاج والصادرات وتقليص الواردات غير الضرورية، وليس فقط عبر استخدام دولارات الصندوق في سد فجوات عاجلة، بينما يترقب المواطن البسيط ما إذا كان اجتماع 25 فبراير سيعني له بعض الاستقرار، أم أنه مجرد محطة جديدة في سلسلة طويلة من القرارات التي تجعل الجنيه أضعف وسلة المعيشة أثقل.

