رفع رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان سقف مواقفه السياسية والعسكرية، باشتراط انسحاب قوات الدعم السريع من “المناطق التي تحتلها” وتجميعها في مناطق محددة قبل القبول بأي وقف لإطلاق النار، مؤكدًا أنه لا يقبل هدنة تبقي القوات المنافسة داخل المدن. جاء ذلك في خطاب جماهيري بأم درمان، في توقيت تستمر فيه الحرب منذ أكثر من عام ونصف، وتتفاقم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم بينما تتعثر جهود الوساطة الدولية والإقليمية.

 

شروط قاسية لوقف النار وسط حرب مدمرة منذ أبريل 2023

 

البرهان شدد أمام حشد من أنصاره في مدينة أم درمان غربي الخرطوم على أنه “لا هدنة مع مليشيات التمرد وهي تحتل المدن وتمارس الانتهاكات ضد المواطنين”، في إشارة مباشرة إلى قوات الدعم السريع، وربط أي اتفاق لوقف إطلاق النار بانسحاب هذه القوات أولًا من المناطق التي يصفها بأنها “محتلة”، ثم تجميعها في نطاقات محددة تحت رقابة واضحة، معتبرًا أن أي هدنة لا تتضمن هذا المسار مرفوضة من قبله ومن قبل السودانيين.

 

الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع مستمرة منذ أبريل 2023، بعد خلاف تفجر حول كيفية وجدول دمج الدعم السريع في القوات المسلحة، وتحوّل سريعًا إلى صراع مسلح مفتوح شمل العاصمة وأقاليم واسعة، وأنتج دمارًا كبيرًا للبنية التحتية ونزوحًا جماعيًا من مناطق القتال، مع غياب أفق قريب لتسوية سياسية شاملة رغم كثرة المبادرات واللقاءات.

 

الخسائر الإنسانية باتت ضخمة؛ تقارير دولية تتحدث عن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع حديث عن مجاعة في بعض المناطق، وسقوط عشرات الآلاف من القتلى، ونزوح نحو 13 مليون شخص داخل السودان وخارجه، بين نازحين داخليًا ولاجئين عبر الحدود، في وقت تعاني فيه مناطق واسعة من غياب الخدمات الأساسية وانهيار المنظومة الصحية، ما يجعل أي تأخير في وقف القتال مكلفًا على المجتمع والدولة معًا.

 

في خطابه، استعاد البرهان مشهد احتجاجات ديسمبر 2019 التي أطاحت بالرئيس السابق عمر البشير، وقال إن الشباب الذين قادوا تلك التظاهرات “قادرون على اقتلاع المليشيات من جذورها”، في إشارة إلى الدعم السريع، معتبرًا أن الحسم مع هذه القوات شرط لإعادة الأمن والاستقرار، وموجهًا رسالة سياسية مفادها أن الشارع الذي خرج ضد النظام السابق يمكن أن يتحرك مجددًا، لكن هذه المرة في معركة يعتبرها معركة الدولة ضد “مليشيات التمرد”.

 

هجوم مباشر على الإمارات ورفض لوساطتها في الرباعية الدولية

 

البرهان استخدم خطابًا أكثر حدة تجاه الإمارات، مجددًا رفضه لأي دور لها كوسيط في النزاع، واصفًا إياها بأنها “داعمة للتمرد”، في موقف يقطع الطريق أمام أي محاولة لإسناد دور محوري لأبوظبي داخل مسار الوساطة، ويزيد التوتر القائم بالفعل بين البلدين منذ شهور، خاصة بعد اتهامات حكومية سابقة للإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بأسلحة متطورة استُخدمت في هجمات على مدينة بورتسودان شرق البلاد.

 

الحكومة السودانية كانت قد أعلنت في 6 مايو 2025 قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، متهمة إياها علنًا بدعم خصمها العسكري الرئيس، وربطت بين هذا الدعم وبين الهجمات على مناطق تعتبرها حيوية لاستمرار مؤسسات الدولة، بما فيها بورتسودان التي تحولت إلى مركز سلطة بديل عن الخرطوم منذ اندلاع الحرب، وهو ما أعطى الاتهامات بعدًا سياسيًا وأمنيًا أوسع من مجرد خلاف دبلوماسي.

 

في المقابل، تنفي الإمارات بشكل متكرر تقديم أي دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وتؤكد في بيانات رسمية أنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للسودان، وتطرح نفسها طرفًا حريصًا على الاستقرار، لكن رفض البرهان الصريح لدورها كوسيط يضعها في خانة طرف “غير محايد” في نظر السلطة السودانية القائمة، ويخلق تعارضًا مع تركيبة “الرباعية الدولية” التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات في جهود وقف الحرب.

 

منذ أشهر، تقود الولايات المتحدة والسعودية هذه الرباعية للدفع نحو هدنة إنسانية تمهّد لوقف دائم لإطلاق النار، وفي سبتمبر 2025 طُرحت خطة تنص على هدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، يعقبها مسار انتقالي مدته 9 أشهر يؤدي إلى حكومة مدنية مستقلة، لكن وضع الإمارات داخل هذه المعادلة بات موضع نزاع، بعد أن اعتبرها البرهان جزءًا من المشكلة لا من الحل، ما يعقّد أي تفاهمات تتم تحت مظلة تضم أبوظبي كطرف منسق أو راعٍ للاتفاقات.