تستعد حكومة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي لطرح مناقصة عالمية لاستيراد نحو 100 شحنة غاز مسال خلال شهر أبريل 2026، بقيمة تقدَّر بـ5.4 مليار دولار، وفق مسؤول حكومي تحدّث لبلومبرج شريطة عدم ذكر اسمه.
الخطوة تعكس انتقال مصر فعليًا من وضع «دولة مُصدّرة للغاز» إلى مستوردٍ دائم، مع اعتماد متزايد على تمويل مؤجل وشروط سداد تضع عبئًا إضافيًا على الدين الخارجي واحتياطيات النقد الأجنبي.
مناقصة بـ5.4 مليار دولار… تمويل مؤجل وفاتورة تتضخم
بحسب المسؤول، من المقرر طرح المناقصة في مارس 2026، على أن يبدأ التوريد في أبريل، لاستيراد 100 شحنة بمتوسط سعر لا يتجاوز 54 مليون دولار للشحنة الواحدة، وبقيمة إجمالية 5.4 مليار دولار.
شروط المناقصة تتضمن:
- سداد قيمة الشحنة بعد فترة لا تقل عن 6 أشهر من تاريخ التوريد.
- فتح اعتماد مستندي بنسبة 25% من قيمة الشحنة عند دخولها المياه الإقليمية المصرية.
- سقف سعري للشحنة لا يتجاوز 54 مليون دولار.
بهذا الشكل، تتحول فاتورة الغاز إلى دين قصير الأجل مؤجل السداد، يُرحَّل من موسم إلى آخر، مع تضخم التزامات الدولة بالعملة الصعبة في وقت تعاني فيه من ضغوط قوية على ميزان المدفوعات وارتفاع حاد في خدمة الدين الخارجي.
المسؤول الحكومي قدّر أن هذه الشحنات تستهدف «سد الفجوة بين الاحتياج الفعلي للسوق المحلية والإنتاج المحلي»، بينما سبق أن تم تأمين احتياجات الربع الأول من 2026 عبر مناقصة سابقة لتوريد 160 شحنة، بالإضافة إلى عقد مع «شل» و«توتال» لتوريد 60 شحنة أخرى، وفق ما نقله المصدر نفسه.
على المستوى الأوسع، كانت تقارير دولية قد أشارت إلى أن مصر اتفقت بالفعل على شراء ما بين 150 و160 شحنة غاز مسال حتى نهاية 2026، بقيمة تفوق 8 مليارات دولار، لتغطية الطلب على الكهرباء رغم الضغوط المالية المتزايدة.
من ذروة «ظهر» إلى فجوة إنتاج يومية تتجاوز 2 مليار قدم مكعب
العودة المكثفة لاستيراد الغاز المسال ترتبط مباشرة بتدهور ملحوظ في إنتاج الغاز المحلي.
بعد أن تحولت مصر إلى مُصدِّر صافٍ للغاز وأوقفت الاستيراد في 2018 بدعم من اكتشافات كبرى مثل حقل «ظهر»، بدأ المنحنى في الانعكاس مع التناقص الطبيعي للحقول وتراجع الاستثمارات.
بحسب المسؤول الذي تحدّث لـ«الشرق»، تراجع الإنتاج إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعب يوميًا، مقابل احتياجات يومية تقدَّر بحوالي 6.2 مليار قدم مكعب، ترتفع صيفًا إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعب، ما يعني فجوة يومية بين 2 و3 مليارات قدم مكعب تُغطَّى عبر الاستيراد، سواء من الغاز المسال أو عبر خطوط الأنابيب.
بيانات وتقارير أخرى تتقاطع مع هذا الاتجاه؛ إذ تشير تقديرات دولية إلى أن الإنتاج المصري انخفض إلى متوسط 4.4 مليار قدم مكعب يوميًا مع بلوغ الطلب أكثر من 6.2 مليار، خاصة بعد تراجع إنتاج «ظهر» من ذروة 2.7 مليار قدم مكعب يوميًا في 2019 إلى نحو 1.9 مليار في 2024.
هذا التراجع حول مصر من لاعب مهم في تصدير الغاز المسال في شرق المتوسط، إلى مشترٍ كبير للشحنات في السوق الفورية والعقود متوسطة الأجل، ما يزيد حساسية الاقتصاد المصري تجاه تقلبات أسعار الطاقة عالميًا.
تقارير متخصصة حذرت بالفعل من أن شهية مصر المتزايدة لشراء الغاز المسال قد تسهم في تشديد السوق العالمية ورفع الأسعار، وهو ما يضاعف الفاتورة على الموازنة المصرية نفسها.
من «مركز إقليمي للطاقة» إلى مستورد مزمن حتى 2030
المسؤول الحكومي أقرّ بأن مصر ستواصل استيراد الغاز المسال حتى 2029–2030 لتغطية احتياجاتها، في ظل التناقص الطبيعي للحقول، وعدم تعويض الانكماش بإنتاج جديد كافٍ حتى الآن.
هذا المسار يصطدم بصورة رسمية روّجتها الحكومة لسنوات عن تحول مصر إلى «مركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة»، اعتمادًا على محطات الإسالة في إدكو ودمياط، واستيراد الغاز من دول الجوار وإعادة تصديره. لكن الواقع الحالي يقول إن جزءًا متزايدًا من هذه البنية التحتية يُستخدم بالأساس لتلبية الطلب المحلي، لا لتعظيم العوائد التصديرية.
استمرار الاستيراد بهذه الوتيرة حتى 2030 يعني عدة أمور أساسية:
- تثبيت عبء سنوي بمليارات الدولارات على الميزان التجاري وميزان المدفوعات.
- ربط استقرار شبكة الكهرباء بتوفر تمويل دولاري كافٍ لتغطية شحنات الغاز، في ظل تجارب سابقة لانقطاعات التيار مع أي اضطراب في الإمدادات أو التمويل.
- زيادة اعتماد الدولة على ترتيبات دفع مؤجلة واعتمادات مستندية جزئية، وهي أدوات تخفف الضغط اللحظي لكنها تراكم التزامات قصيرة الأجل في الخلفية.
في الوقت نفسه، تشير تصريحات رسمية وخطط حكومية إلى نية تكثيف أعمال البحث والاستكشاف وحفر آبار جديدة، لكن هذه الاستثمارات تحتاج سنوات حتى تنعكس على الإنتاج الفعلي، بينما الاحتياجات اليومية للكهرباء والصناعة والأسر لا تنتظر.
بهذا الشكل، لا تبدو مناقصة استيراد 100 شحنة غاز مسال في 2026 مجرد عملية شراء عادية، بل حلقة جديدة في مسار مالي واقتصادي يربط أمن الطاقة في مصر بالدين الخارجي، ويحوّل أي موجة ارتفاع في أسعار الغاز أو تشدد في شروط التمويل إلى خطر مباشر على استقرار الشبكة الكهربائية، وعلى قدرة الموازنة على تحمّل فاتورة طاقة تتزايد عامًا بعد عام.

