أجلت محكمة جنايات القاهرة، برئاسة المستشار وائل زهران، محاكمة عدد من موظفي محافظة القاهرة وآخرين، إلى جلسة 17 فبراير المقبل، في القضية المتهمة فيها قيادات بإدارة أملاك الدولة بالتلاعب في تقنين أراضي منطقة شق الثعبان، وتسهيل الاستيلاء على نحو 24 مليون جنيه من المال العام، وفق ما ورد في أوراق الإحالة الرسمية.
القضية، التي تضم 17 متهماً بين مسؤولين حاليين وسابقين ورجال أعمال وأصحاب مصانع رخام وجرانيت، لم تعد مجرد ملف جنائي عابر، بل مؤشر صارخ على خلل هيكلي في منظومة تقنين أراضي الدولة، في وقت تتجاوز فيه تقديرات فواتير الإهدار المرتبطة بالملف حاجز 100 مليون جنيه، بحسب ما يتداوله محامون ومتابعون للملف، مقارنة بالرقم المثبت في أمر الإحالة (24 مليون جنيه).
قضية شق الثعبان… كيف جرى التلاعب بالتقنين؟
توضح التحقيقات التي استندت إليها المحكمة أن المتهمين الرئيسيين هم مدير عام الأملاك بالمحافظة، ومدير عام الشؤون المالية والأملاك سابقاً، ومدير قسم الشؤون العقارية، إضافة إلى مسؤولين عن ملف شق الثعبان. الاتهام الأساسي: استغلال رغبة ملاك المصانع في تقنين أوضاعهم، عبر وسطاء من صغار الموظفين أو مواطنين لهم صلة بالمحافظة.
بحسب أوراق القضية، كان السيناريو المتكرر كالتالي: يُعرَض على صاحب المصنع أو المستثمر دفع مبلغ يقارب 2 مليون جنيه بدلاً من 7 ملايين، مقابل استخراج عقود رسمية تبدو صحيحة ظاهرياً، تثبت تقنين الأرض ونقلها لحيازته، ثم تُحصَّل الأموال «خارج الدفاتر» بعيداً عن خزينة المحافظة، مع إصدار عقود مزورة أو معيبة قانونياً.
اكتشاف الواقعة جاء عندما راجع سكرتير عام محافظة القاهرة عدداً من عقود التقنين، ليتبين وجود اختلافات جوهرية في الأسعار والإجراءات، وعدم تطابق بين المساحات الفعلية والبيانات الرسمية، ما دفعه لإبلاغ الجهات الرقابية، ثم النيابة العامة، التي انتهت إلى إحالة 17 متهماً للمحاكمة بتهم: تسهيل الاستيلاء على المال العام، والتزوير في محررات رسمية، والإضرار العمدي بمصالح الجهة التي يعملون بها.
المستشار أحمد إدريس، قاضي التحقيق السابق في قضايا استرداد أراضي الدولة، يذكّر في مداخلات سابقة بأن ملف أملاك الدولة «أحد أكثر الملفات قابلية لإنتاج الفساد، بسبب تداخل جهات الولاية وضعف توثيق الحيازة وطول الإجراءات»، محذراً من أن أي ثغرة في التسعير أو تقييم الأرض تتحول مباشرة إلى باب خلفي لإهدار المال العام.
من واقعة جنائية إلى نموذج لفساد منهجي
قضية شق الثعبان لا تأتي في فراغ. فهي تضاف إلى سلسلة ملفات تخص تقنين أراضي الدولة، شهدت على مدار السنوات الأخيرة اتهامات متكررة بتسهيل الاستيلاء على المال العام، سواء عبر تسعير اعتبره منتقدون أقل كثيراً من القيمة الحقيقية، أو عبر إجراءات تقنين شابها التلاعب والمحاباة.
الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق، صاحب كتاب «جذور الفساد الإداري في مصر»، يرى أن مثل هذه القضايا تعكس «فساداً منظماً، لا مجرد مخالفات فردية»، مشيراً إلى أن نمط التلاعب بالعقود والتقديرات في ملف الأراضي تكرر منذ عقود، وأن حصيلة الفساد الإداري والمالي في قطاعات مثل الأراضي والمقاولات وحدها تصل إلى عشرات المليارات سنوياً وفق ما وثقه في دراساته.
من زاوية قانونية، يؤكد المحامي خالد علي، المتخصص في قضايا المال العام، في تصريحات سابقة، أن خطورة هذه الملفات تكمن في أنها «تضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين المستثمرين، وتحوّل حق التقنين إلى امتياز لمن يملك الوصول إلى دوائر النفوذ داخل أجهزة الدولة»، لافتاً إلى أن كثيراً من دعاوى استرداد الأراضي أو إلغاء عقود تخصيص بنيت على ثبوت وجود عقود صورية أو تخفيضات غير مبررة في السعر، بما يشكل جريمة إهدار مال عام مكتملة الأركان.
وبينما يركز أمر الإحالة في قضية شق الثعبان على رقم محدد (24 مليون جنيه)، يتحدث محامون وخبراء عن أن القيمة الحقيقية للأضرار التي لحقت بالمال العام، إذا ما احتُسب فارق التسعير عن القيمة السوقية على كامل المساحات محل التلاعب، قد تتجاوز بكثير حاجز 100 مليون جنيه، ما يعني أن القضية المفتوحة أمام الجنايات لا تزال تعكس «طرف جبل الجليد» فقط.
هل تكفي المحاكمة دون إصلاح منظومة التقنين والرقابة؟
على الجانب الرسمي، يصر المتحدث باسم لجنة استرداد أراضي الدولة، أحمد أيوب، في أكثر من حوار إعلامي، على أن الدولة «لن تتهاون مع التعديات أو التلاعب في التقنين»، مشيراً إلى أن اللجنة أطلقت «المنصة الوطنية لتقنين أراضي الدولة» وسلمت أكثر من 106 آلاف عقد تقنين، مع وجود أكثر من 55 ألف حالة جاهزة للتعاقد تنتظر استكمال الإجراءات وسداد المقدمات.
لكن حقوقيين وخبراء يرون أن إنشاء منصات إلكترونية أو إصدار قوانين جديدة لن يكون كافياً ما لم تُربط هذه الآليات بمحاسبة صارمة وشفافة في قضايا مثل شق الثعبان. المحامي نجاد البرعي، المتخصص في قضايا حقوق الإنسان وسيادة القانون، يشير في تحليلاته إلى أن «غياب نشر أحكام تفصيلية وأسبابها في قضايا الفساد الكبرى، وندرة محاسبة المسؤولين السياسيين أو التنفيذيين على المستوى الأعلى، يضعف أثر الردع العام، ويحول المحاكمات أحياناً إلى رسائل شكلية أكثر منها تغييراً جوهرياً في قواعد اللعبة».
من جهة أخرى، يطرح عبد الخالق فاروق سؤالاً أوسع حول كفاءة إدارة أصول الدولة: إذا كانت قضايا التقنين تكشف عن إهدار بمئات الملايين في منطقة واحدة، فماذا عن باقي الملفات التي لم تصل بعد إلى القضاء أو لم تُفتح أصلاً؟ ويؤكد أن «معالجة الفساد في أراضي الدولة لا يمكن أن تعتمد فقط على الرقابة الجنائية، بل تحتاج إلى شفافية كاملة في خرائط الملكيات، وإتاحة بيانات التسعير، وإخضاع قرارات التقنين لقواعد معلنة وقابلة للطعن».
في هذا السياق، يربط المستشار أحمد إدريس بين ملفات مثل شق الثعبان، وبين ما يسميه «ضعف الحوكمة في إدارة المال العام»، موضحاً أن تعدد الجهات المتداخلة في أملاك الدولة (محافظات، وزارات، هيئات خدمية واقتصادية) يفتح الباب لتضارب القرارات، وخلق مناطق رمادية يستغلها الفاسدون، ما لم تُحسم خريطة الولاية القانونية ومسؤولية كل جهة بوضوح.
في النهاية، يكشف تأجيل محاكمة موظفي محافظة القاهرة وآخرين في قضية شق الثعبان إلى جلسة 17 فبراير 2026، أن المسار القضائي لا يزال مفتوحاً، لكن السؤال الأهم يتجاوز الحكم المنتظر: هل ستتحول هذه القضية إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء منظومة تقنين أراضي الدولة على أسس شفافة ورقابية صارمة، أم تظل مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من ملفات الفساد التي تنتهي إلى أرشيف المحاكم بينما يستمر النزيف في أصول وثروات المصريين؟

