أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع معدل التضخم السنوي في مصر خلال يناير الماضي إلى 10.1%، بانخفاض طفيف قدره 0.2% مقارنة بديسمبر، في وقت تشهد فيه الأسواق ضغوطًا معيشية متزايدة.

الإعلان جاء قبل أيام من اجتماع البنك المركزي المصري المرتقب لتحديد أسعار الفائدة، ما فتح الباب أمام حديث رسمي عن استئناف التيسير النقدي.

 

غير أن قراءة الأرقام تفصيليًا تطرح تساؤلات حول الفجوة بين المؤشرات الإحصائية والواقع اليومي للمواطنين، وحول جدوى السياسات الاقتصادية المتبعة في ظل استمرار الغلاء.

 

تضخم سنوي يتراجع.. وغلاء شهري يتصاعد

 

وفق بيانات الإحصاء، سجّل التضخم السنوي تراجعًا محدودًا في يناير، إلا أن التضخم الشهري ارتفع إلى 1.5% مقارنة بـ0.1% في ديسمبر، ما يعكس موجة زيادات جديدة في الأسعار مع بداية العام. هذا الارتفاع الشهري، وإن بدا رقمًا فنيًا، يحمل دلالة مباشرة على تآكل القدرة الشرائية، خاصة مع ثبات الدخول وتراجع مستويات الدعم.

 

تفاصيل السلة الاستهلاكية تكشف صورة أكثر وضوحًا. أسعار اللحوم والدواجن قفزت بنسبة 5.1% خلال شهر واحد، بينما ارتفعت أسعار الخضروات بنسبة 8.5%. في المقابل، انخفضت أسعار الفاكهة بنسبة 2.5%، وهو تراجع موسمي محدود لا يعوض الزيادات في السلع الأساسية. هذه التحركات تعني أن العبء الأكبر لا يزال يقع على الغذاء، وهو البند الأكثر حساسية للأسر محدودة ومتوسطة الدخل.

 

التركيز الحكومي على رقم التضخم السنوي، مع تجاهل التضخم الشهري، يُظهر ميلًا لانتقاء المؤشرات الأكثر ملاءمة للخطاب الرسمي. فالتراجع الطفيف لا يلغي حقيقة أن الأسعار تواصل الارتفاع بوتيرة يشعر بها المستهلك يوميًا، بعيدًا عن متوسطات حسابية لا تعكس توزيع الأعباء داخل المجتمع.

 

التيسير النقدي: مكاسب مالية أم مخاطر معيشية؟

 

خفض البنك المركزي خلال العام الماضي أسعار الفائدة بنحو 7.25%، في محاولة لإعادة تكاليف التمويل إلى مستويات أقل بعد موجة تشديد حادة بدأت في 2022. ومع الإعلان عن تراجع نسبي للتضخم، تتزايد التوقعات باستئناف خفض الفائدة خلال 2026، مدعومًا بتحسن نسبي في مؤشرات النقد الأجنبي واستقرار سعر الصرف.

 

غير أن هذه السياسة تثير إشكاليات متعددة. خفض الفائدة قد يخفف أعباء خدمة الدين الحكومي ويمنح متنفسًا للموازنة، لكنه في الوقت ذاته قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية إذا لم يُواكب بإصلاحات إنتاجية حقيقية. التجربة السابقة أظهرت أن التيسير النقدي في بيئة تعاني ضعف الإنتاج المحلي واعتمادًا مرتفعًا على الاستيراد، غالبًا ما يترجم إلى زيادات سعرية جديدة.

 

تصريحات محللين ماليين عن إمكانية خفض الفائدة بنسبة تصل إلى 6% خلال العام المقبل، تستند إلى مقارنات مع اتجاهات الفيدرالي الأمريكي وتحسن مؤشرات العملة الأجنبية. إلا أن ربط السياسة النقدية المحلية بتحركات خارجية، دون معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، يطرح تساؤلات حول استدامة هذه التوقعات.

 

فجوة الأرقام والواقع: أين أثر السياسات؟

 

الإشكال الجوهري لا يكمن في صحة الأرقام الرسمية بقدر ما يكمن في دلالاتها الاجتماعية. فالتضخم، حتى عند 10.1%، يظل مرتفعًا قياسًا بقدرة المواطنين على التكيف، خاصة بعد سنوات من القفزات السعرية المتتالية. كما أن انخفاض المعدل السنوي لا يعني انخفاض الأسعار، بل تباطؤ وتيرة الزيادة، وهو فارق غالبًا ما يُغفل في الخطاب العام.

 

الاعتماد المتكرر على بيانات الإحصاء لتبرير السياسات الاقتصادية يواجه انتقادات متزايدة، في ظل غياب مؤشرات موازية تعكس مستويات المعيشة الفعلية، مثل معدلات الفقر، أو تطور الأجور الحقيقية. فالمواطن لا يستهلك “معدل التضخم”، بل يشتري لحومًا وخضروات ويدفع إيجارات وفواتير، وكلها تشهد زيادات ملموسة.

 

كما أن الحديث عن تحسن أوضاع النقد الأجنبي لا ينعكس بالضرورة على الأسعار المحلية، طالما استمرت بنية السوق على حالها، واستمرت الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. وفي ظل غياب شبكة أمان اجتماعي كافية، تتحول أي زيادة شهرية، ولو محدودة، إلى ضغط مباشر على الأسر.

 

خلاصة

 

تراجع التضخم السنوي إلى 10.1% في يناير يمثل إشارة رقمية محدودة، لا ترقى إلى توصيف شامل للوضع الاقتصادي. ارتفاع التضخم الشهري، واستمرار غلاء السلع الأساسية، يكشفان عن واقع أكثر تعقيدًا مما تعكسه البيانات المجملة.

 

وبينما تمضي الحكومة في الترويج لانحسار التضخم تمهيدًا لتيسير نقدي جديد، تبقى الأسئلة قائمة حول كلفة هذه السياسات على المعيشة اليومية، وحول قدرة الاقتصاد على كسر حلقة الأرقام المطمئنة والواقع الضاغط.