تسريبات حركة المحافظين المرتقبة تكشف ملامح استمرار نفس المعادلة: محافظون أغلبهم من خلفيات عسكرية أو شرطية، تدوير لوجوه مجرَّبة، وإقصاء عملي لأي حضور مدني حقيقي في قمة هرم الإدارة المحلية.
المصادر التي نقلت كواليس الحركة تحدثت عن رحيل جماعي لعدد كبير من المحافظين، مع الدفع بأسماء أمنية جديدة أو إعادة توزيع المحافظين الحاليين على محافظات أخرى، دون أي حديث عن تغيير في فلسفة الاختيار أو إشراك المجتمع المحلي في القرار.
في المقابل، تتزايد مخاوف قوى معارضة وخبراء محليات من أن تكون الحركة الجديدة مجرد خطوة إضافية في مسار “عسكرة” الحكم المحلي، خاصة في ظل غياب المجالس الشعبية المحلية المنتخبة، واستمرار تعيين المحافظين من أعلى دون رقابة شعبية أو تداول مدني حقيقي على هذه المناصب.
تسريبات تكشف رحيلًا واسعًا وتدويرًا داخل الدائرة المغلقة
بحسب ما قاله مصادر مطلعة، تشمل الحركة المرتقبة رحيل عدد كبير من المحافظين، من بينهم:
عادل النجار محافظ الجيزة، محمد الزملوط محافظ الوادي الجديد، أكرم محمد جلال محافظ الإسماعيلية، محب حبشي محافظ بورسعيد، طارق حامد الشاذلي محافظ السويس، الفريق أحمد خالد محافظ الإسكندرية، وخالد مبارك محافظ جنوب سيناء.
كما تمت الإشارة إلى رحيل هشام أبو النصر محافظ أسيوط، وعبد الفتاح سراج محافظ سوهاج، وخالد شعيب محافظ مطروح، وحازم الأشموني محافظ الشرقية، وأيمن الشهابي محافظ دمياط، وعبد المطلب عمارة محافظ الأقصر، وإبراهيم أبو ليمون محافظ المنوفية.
المصادر نفسها رجَّحت نقل المهندس أيمن عطية من القليوبية إلى الإسكندرية محافظًا لها، مع طرح اسم اللواء طارق راشد، مدير أمن القاهرة، محافظًا للغربية، وترشيح اللواء محمد علوان، نائب مساعد الوزير لشؤون الأفراد، محافظًا لأسيوط، مع استمرار محافظي القاهرة والدقهلية وشمال سيناء والمنيا في مواقعهم.
الخيط المشترك بين أغلب هذه الأسماء هو الخلفية العسكرية أو الشرطية أو العمل في أجهزة الدولة السيادية، ما يعزز الانطباع بأن التغيير سيكون في الأشخاص لا في طبيعة التشكيل ولا في فلسفة إدارة المحافظات.
أرقام العسكرة: المحافظات كامتداد مباشر للسلطة الأمنية
تحليل رصدي حديث عن الفترة من 2011 حتى 2025 أظهر أن المناصب التنفيذية الثلاثة الأهم في الحكم المحلي (المحافظ، نائب المحافظ، السكرتير العام) استحوذ عليها العسكريون بنسبة تقارب 60% من إجمالي التعيينات، مقابل 37% للمدنيين، و3% فقط للقضاة الذين اختفوا لاحقًا من المشهد تمامًا. وبالأرقام، تولى 278 عسكريًا هذه المناصب مقابل 173 مدنيًا و14 قاضيًا.
التقرير نفسه بيَّن أن عهد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي شهد أوسع موجات العسكرة في هذه المواقع، بنسبة تجاوزت 72% من شاغلي المناصب للمؤسسة العسكرية، بعد أن كانت 65% في فترة المجلس العسكري و61% في عهد عدلي منصور، بينما مثّل عهد محمد مرسي استثناءً نسبيًا بارتفاع حصة المدنيين إلى 55%.
الأرقام تكشف أيضًا أن 8 محافظات لم يعرف فيها المقعد الأول سوى المحافظ العسكري طوال الفترة محل الرصد، من بينها السويس والوادي الجديد وبورسعيد وجنوب سيناء وشمال سيناء ومطروح، في مقابل محافظة مدنية تقريبًا مثل بني سويف التي لم يتولَّها أي محافظ عسكري.
ومع كل حركة محافظين جديدة، تُكرَّس هذه الخريطة بدل مراجعتها. فالأسماء المرشحة في التسريبات الحالية تنتمي في معظمها إلى الجيش أو الشرطة أو الأجهزة السيادية. ومع غياب قانون محليات ديمقراطي وانتخابات حقيقية للمجالس المحلية، تتحول حركة المحافظين إلى أداة لإعادة تثبيت نفوذ السلطة المركزية وأذرعها الأمنية في المحافظات، لا إلى فرصة لتجديد الإدارة المحلية أو توسيع مشاركة المجتمع.
أساتذة علوم سياسية، مثل الدكتور مصطفى كامل السيد، سبق أن أكدوا في مناقشات قانون الإدارة المحلية أن فلسفة الحكم المحلي تقوم على أن يكون ولاء المسؤول للناخبين والمجتمع المحلي، لا للسلطة التي عينته، وأن نقل المحافظين من محافظة لأخرى بشكل مستمر يقطع صلتهم بالبيئة التي يفترض أن يخدموها ويُضعف منطق المحاسبة الشعبية.
تهميش المدنيين واستمرار إقصاء المحليات عن المشهد
الدستور ترك في مادته 179 طريقة اختيار المحافظين ورؤساء الوحدات المحلية لقانون يصدر لاحقًا، سواء بالانتخاب أو التعيين، لكن حتى الآن لم يصدر قانون يكرِّس اختيارًا شعبيًا حقيقيًا للمناصب المحلية، بينما تستمر سياسة التعيين من أعلى، وتظل المجالس المحلية المنتخبة غائبة تمامًا منذ حلها بعد 2011.
هذا الفراغ المحلي يسمح بأن تتحول حركة المحافظين إلى صفقة مغلقة بين الرئاسة والأجهزة الأمنية، بعيدًا عن أي رقابة مجتمعية أو برلمانية فعالة، ويترك ملايين المواطنين تحت إدارة مسؤولين لم يختاروهم، ولا يملكون أدوات حقيقية لمساءلتهم أو تغييرهم.
من زاوية أخرى، تكشف دراسات عسكرة الإدارة المحلية أن المدنيين داخل الجهاز الإداري نفسه يواجهون سقفًا صلبًا يمنع صعودهم إلى منصب المحافظ، إذ لم يترقَّ إلى هذا المنصب سوى نسبة ضئيلة للغاية من السكرتارية العموم المدنيين، مقارنة بفرص أعلى بكثير لنظرائهم من الخلفية العسكرية.
بهذا المعنى، لا تبدو حركة 2026 ـ إذا صدقت التسريبات ـ مجرد تعديل إداري روتيني، بل حلقة جديدة في سلسلة تثبيت قبضة المؤسسة العسكرية والأمنية على المحافظات، مع استمرار تغييب المحليات المنتخبة، وتأجيل الاستحقاق الدستوري الخاص بانتخابات المجالس المحلية، وتهميش أي مسار يسمح للمجتمعات المحلية بأن تمسك بزمام إدارة شؤونها اليومية.
في النهاية، السؤال الذي يطرحه معارضون وخبراء محليات ليس عن أسماء من يرحلون ومن يأتون، بل عن نمط حكم كامل: هل هناك نية حقيقية للخروج من نموذج “المحافظ الجنرال” إلى مسؤول مدني خاضع لرقابة شعبه؟ أم أن حركة المحافظين الجديدة مجرد جولة أخرى في تعميق العسكرة وإقصاء المدنيين عن قمة الإدارة المحلية؟

