أشعل قرار فرض الضريبة العقارية على السكن الخاص، بالتوازي مع إلغاء إعفاء المسافرين من جمارك الهواتف المحمولة، موجة غضب وسخرية على منصات التواصل؛ ليس فقط بين نشطاء معارضين، بل بين اقتصاديين وإعلاميين ورجال أعمال كانوا يومًا ما أقرب إلى دوائر السلطة.

جوهر الاعتراض لم يعد على “فكرة الضريبة” في حد ذاتها، بل على دولة تُصرّ على حلب جيوب المواطنين، بينما تتراجع جودة حياتهم، وتنهار الخدمات العامة، وتبقى الأسئلة الكبرى: أين تذهب حصيلة الضرائب؟ ومن يدفع الثمن فعلًا؟

 

من د. مدحت نافع إلى نجيب ساويرس، ومن لميس الحديدي إلى توفيق عكاشة، مرورًا بعشرات الحسابات النشطة؛ تبلورت صورة واحدة: سلطة تبحث عن أي وعاء تتحصل منه بضعة مليارات، ولو كان شقة سكنٍ أساسي أو موبايل هدية من مصري مغترب لأهله، في ظل برلمان صوري لا يناقش، واقتصاد مرتهن لتوصيات صندوق النقد، وطبقة حاكمة تتصرّف كأن البلد “عزبة” خاصة.

 

ضريبة على السكن الخاص: من أي وعاء يدفع المواطن؟

 

الاقتصادي د. مدحت نافع لخص العبث في جملة واحدة: الحديث عن فصل الضريبة العقارية عن الأجور الحقيقية للمواطنين “مضحك جدًا”، متسائلًا: من أي وعاء يدفع المواطن؟ هل المطلوب أن يبيع سكنه كي يسدد؟

 

 

وفي تغريدة أخرى، يؤكد نافع أن دستورية فرض الضريبة لا تعني أنها حتمية أو مقدسة، داعيًا إلى نقاش حقيقي: هل يجب أن تُفرض على المسكن الأساسي أصلًا؟ وكيف يمكن تحقيق العدالة الضريبية بدلًا من سحق الطبقة الوسطى ومن هم تحتها؟

 

 

رجل الأعمال نجيب ساويرس – الذي طالما استفاد من سياسات النظام – لم يجد بدًّا من الاعتراف بأن أغلب دول العالم تُعفي السكن الخاص من الضريبة العقارية، متسائلًا ضمناً: لماذا يُصر النظام في مصر على تحويل بيت الأسرة إلى “بقرة حلوب” جديدة؟

 

 

لكن نشطاء لم يتركوا ساويرس يخرج من المعادلة نظيفًا؛ فالبعض ذكّره بأنه كان من أكثر المستفيدين من قانون الإيجار القديم وطرد ملايين المصريين من وسط البلد، وها هو “يشرب من نفس الكأس” مع الضريبة العقارية على وحداته، في مشهد يلخص كيف تأكل سياسات النظام حتى بعض أبرز داعميه:

 

 

على الأرض، يعبّر مواطنون عن نوع آخر من الغضب؛ د. عمرو صقر يقول إنه من حيث المبدأ لا يرفض دفع 20 ألف جنيه سنويًا ضريبة على بيته في مصر، لكنه يشترط شيئًا بديهيًا: حقوقه كاملة، شوارع غير مكسّرة، مستشفيات محترمة، مدارس وجامعات آدمية. وإلا فالمعادلة تتحوّل إلى جباية صريحة:

 

 

الحقوقية سلمى الدالي تشخّص المشكلة بدقة: الأزمة ليست في الضريبة كأداة اقتصادية، بل في أن من يُسمَّون “دافعي الضرائب” تتراجع جودة حياتهم رغم أنهم يدفعون أكثر من أي وقت مضى، في غياب شفافية حقيقية أو عائد ملموس على حياتهم اليومية.

 

 

حتى توفيق عكاشة، الذي طالما مثّل صوتًا قريبًا من السلطة، اعتبر اقتراح فرض ضريبة على السكن الخاص “فاشلًا” يجب إلغاؤه فورًا، وهاجم تبعية القرار لوصفات صندوق النقد والبنك الدولي، مشيرًا إلى أن دخول المواطنين ثابتة أو متراجعة بينما الحكومة “تلعب في الأرقام” وتدّعي نموًا وهميًا.

 

 

من جمارك الموبايلات إلى «تعكير المزاج العام» وإغضاب المصريين بالخارج

 

في موازاة عاصفة الضريبة العقارية، فجّر قرار إلغاء الإعفاء الجمركي عن الهواتف المحمولة للمسافرين غضبًا واسعًا، خصوصًا بين المصريين في الخارج. الإعلامية لميس الحديدي وصفت هذه النوعية من القرارات بأنها قرارات “تعكير المزاج العام”، منتقدة غياب أي دراسة جادة للأثر على الإيرادات العامة، أو تنافسية الصناعة، أو المستهلك النهائي.

 

 

لميس تضع إصبعها على الجرح: إذا كان الهدف السابق من الإعفاء هو وقف التهريب، فقد تحقق بدرجة كبيرة، وإن كانت هناك ثغرات فتعالج بالرقابة لا بعقاب الجميع. كما تُعرّي حجة “توطين الصناعة”، موضحة أن ما يحدث في مصر مجرد تجميع لمكونات مستوردة، وأن أنواع الهواتف المجمعَة محليًا مختلفة تمامًا عن الهواتف الحديثة التي يشتريها المصريون من الخارج، بما يعني أن القرار في جوهره لا يحمي صناعة وطنية بقدر ما يحمي مصالح تجار ومحتكري سوق.

 

في تغريدة أخرى، يطرح د. مراد علي سؤالًا سياسيًا أكثر منه اقتصاديًا: لماذا يشن الإعلام هجومًا عنيفًا على قرار جمارك الموبايلات تحديدًا، بينما قرارات أشد قسوة مثل رفع البنزين والكهرباء والبوتاجاز تمر بهدوء نسبي رغم تأثيرها الكاسح على حياة المواطنين اليومية؟ هل هناك صراع مصالح داخل أجنحة السلطة حول من يتضرر من القرار، أم أن النظام يريد امتصاص الغضب بتقديم كبش فداء إعلامي لهذا الملف بالذات؟

 

 

هذا التناقض بين خطاب “تشجيع المصريين بالخارج” على تحويل الأموال والاستثمار في بلدهم، وبين معاقبتهم فعليًا على موبايل يشترونه هدية لأسرهم، تلتقطه لميس بوضوح وهي تحذر من أن هذه القرارات تعطي رسالة معكوسة لأهم مصدر للعملة الصعبة في مصر حاليًا.

ومع الضريبة العقارية، يُضاف شعور عام بأن الدولة لا ترى في المواطن إلا “حصالة ضرائب”، سواء كان مغتربًا أو مقيمًا، بينما لا تُلمس أي إرادة حقيقية لإصلاح جذور الأزمة الاقتصادية أو وقف نزيف الفساد والإنفاق العبثي.

 

ضرائب بلا خدمات ولا تمثيل: دولة المُلّاك والعسكر

 

في خلفية هذه الانتقادات كلها، يظهر توصيف سياسي فاضح لما آلت إليه العلاقة بين الدولة والمواطن. أحمد حسونة يكتب بوضوح: العسكر معتبرين الدولة ملكهم، وإحنا قاعدين فيها بالأجرة. الشقة “التمليك” تحوّلت فعليًا إلى سكن مهدّد بالضريبة العقارية، في بلد لا يعرف أصلاً أين تذهب حصيلة الضرائب، والصناديق الخاصة، وأموال المنح، وبيع الأراضي والمدن والمشروعات.

 

 

المهندس رامي يلتقط تناقضًا آخر صارخًا: كيف تتباهى الدولة بتصدير العقار وجذب المستثمرين الأجانب، بينما تفرض ضريبة عقارية تثقل كاهل المستثمر المحلي؟ في عالم مفتوح، يمكن لصاحب المال أن يشتري في الإمارات أو السعودية بدون ضريبة، وفي بيئة تشجّعه بدلًا من مطاردته، فإلى أي مناخ استثماري تدفعه السياسات الحالية؟

 

 

سلامة يربط بين هذه الكوارث وبين هندسة الحياة السياسية ذاتها؛ فيذكّر بأن إعادة انتخابات المجالس النيابية عدة مرات لم تكن عبثًا، بل لتركيب برلمان “على المقاس”، يمرر أي قانون ضد المواطن العادي بلا مناقشة حقيقية، كما جرى مع الضريبة العقارية.

 

مصطفى بدوره يلخّص أداء السلطة في تغريدة حادة: السيسي والحكومة لا يجتمعون إلا لهدم البيوت، وسرقة الأراضي، وفرض الضرائب، وقطع الأشجار، أما أن يجتمعوا مرة واحدة من أجل خدمة الناس فـ“يعتبروها إنجازًا تاريخيًا”.

المهندس ماجد عبيدو يسمّي ما يجري باسمه: الحلقة الثانية من مسلسل العكننة على المصري، في إشارة إلى أن الضريبة العقارية على المسكن الأساسي ليست إلا حلقة جديدة في سلسلة مستمرة من القرارات التي تُضيّق الخناق على المواطن بدلًا من إنقاذه.

 

في النهاية، ما تكشفه هذه العاصفة الرقمية أن معركة الضريبة العقارية ليست معركة “نشطاء” وحدهم، بل معركة مجتمع يشعر بأنه يُعامل كـ“ساكن بالإيجار” في وطن من المفترض أنه ملكه. ضرائب تُفرض بلا حوار، وبرلمان يمرر بلا نقاش، وخدمات تنهار رغم تضخّم الفواتير، وسلطة تعتبر السكن الخاص مجرد وعاء جديد للجباية… بينما يزداد اقتناع الناس بأنهم لا يدفعون “ثمن دولة” بقدر ما يدفعون فاتورة بقاء نظام فقد شرعيته الاقتصادية والأخلاقية معًا.