قدّم الإعلامي عمرو أديب اعتذارًا علنيًا للمشاهدين ولأهالي ضحايا حادث الطريق الصحراوي الشرقي القديم بمحافظة المنيا، بعد موجة غضب غير مسبوقة اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، على خلفية تصرفه على الهواء مباشرة أثناء تغطية حادث أسفر عن وفاة 11 عامل محاجر وإصابة 9 آخرين.

 

الاعتذار جاء بعد ساعات من الانتقادات الحادة، التي رأت في ما حدث استخفافًا صريحًا بالموت، وانفصالًا كاملًا عن معاناة أسر خرج أبناؤها فجرًا بحثًا عن الرزق، فعادوا جثامين.

 

أديب، عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، وصف ما جرى بأنه «خطأ غير مقصود»، مؤكدًا أن لحظة الانفعال بهدف أحرزه محمد صلاح خلال مباراة منتخب مصر أمام كوت ديفوار، طغت على إدراكه لجسامة الحدث الإنساني الذي كان يُناقش على الهواء.

 

لكن هذا التبرير لم يكن كافيًا لدى قطاع واسع من المتابعين، الذين رأوا أن الخطأ لا يتعلق بلحظة عابرة، بل بثقافة إعلامية كاملة تُقدّم الترفيه والانتصارات الرياضية على دماء الضحايا.

 

إقرار بالخطأ… لكن الجرح أعمق من اعتذار

 

قال عمرو أديب في اعتذاره:

«أخطأت واعتذر مرة أخرى… الاعتذار واجب لأهالي المتوفين ولكل المشاهدين، فبعد كل هذه الأعوام ما زال الهواء له فلتاته».

 

وأشار إلى أنه عاد لاحقًا للاتصال مرة أخرى على الهواء وتغطية الحادث، معتبرًا ذلك حدًا أدنى من المسؤولية المهنية.

 

الواقعة تعود إلى حلقة من برنامج «الحكاية» على قناة «mbc مصر»، حين أوقف أديب مداخلة سعيد نافع، مدير مكتب «المصري اليوم» بالمنيا، الذي كان يستعرض تفاصيل الحادث من موقعه، ليحتفل على الهواء بهدف محمد صلاح في مباراة ربع نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025، التي انتهت بفوز منتخب مصر 3–2.

 

خبراء الإعلام يرون أن المشكلة لا تكمن فقط في قطع المداخلة، بل في توقيت الفعل وسياقه، حيث كان الحديث عن جثامين لا تزال على الأسفلت، وأسر لم تتلقَّ حتى الآن خبر الوفاة رسميًا.

 

الصحفية إسراء الحكيم وصفت الواقعة بأنها «أكبر خطأ مهني في تاريخ الإعلام»، معتبرة أن ما جرى كسر واحدًا من أبسط أعراف المهنة: احترام الموت.

 

 

ويرى خبراء أن سقطة بهذا الحجم لا يمكن التعامل معها كهفوة عابرة، خصوصًا أنها صدرت عن إعلامي مخضرم يمتلك خبرة طويلة في إدارة البث المباشر والتعامل مع الأحداث الطارئة، ما يجعل الخطأ مضاعفًا في أثره.

 

غضب واسع وأسئلة أكبر: إعلام معزول وطرق تحصد الأرواح

 

ردود الفعل الغاضبة لم تقتصر على النخب الصحفية، بل امتدت إلى الشارع، حيث عبّر مواطنون عن شعورهم بأن دماء الفقراء تُعامل كخبر ثانوي.

 

 

الإعلامي هيثم أبوخليل اعتبر أن ما حدث يعكس انعدام الإحساس والكرامة، مشيرًا إلى أن الاحتفال بهدف جاء في لحظة كان يجب أن تُقال فيها كلمة عزاء على الأقل.

 

 

وكتب أحد المتابعين في تعليق غاضب أن ما جرى يؤكد أن هناك فئة «تعيش في أبراج عالية»، منفصلة تمامًا عن معاناة ملايين العمال.

 

 

الخبير الإعلامي أحمد الغانم رأى أن الصدمة الحقيقية ليست في تصرف فردي، بل في السياق العام الذي يسمح بتحويل المأساة إلى خلفية صوتية للفرح، دون مساءلة حقيقية.

 

 

أما الصحفي علي بكري فربط بين الواقعة الإعلامية والمأساة الأكبر، موضحًا أن الحادث وقع على الطريق الصحراوي الشرقي المعروف باسم طريق الجيش، الذي تُديره الشركة الوطنية لإنشاء وتنمية الطرق التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، وسرد قائمة طويلة من الحوادث الدامية على نفس الطريق خلال عامين فقط، بينها حوادث أودت بعشرات الأرواح.

 

 

خبراء النقل والسلامة المرورية يؤكدون أن الطريق الصحراوي الشرقي بات مقبرة مفتوحة للفقراء، وأن تكرار الحوادث بهذا الشكل يكشف غياب أي محاسبة حقيقية، سواء لإدارة الطريق أو للجهات المسؤولة عن صيانته وتأمينه.

 

ويرى خبراء علم الاجتماع أن ما حدث على الهواء ليس معزولًا عن هذا السياق؛ فحين تصبح أرواح العمال أرقامًا في بيانات، يسهل تجاوزها إعلاميًا دون شعور بالذنب.

 

في المحصلة، قدّم عمرو أديب اعتذارًا، لكن الأسئلة التي فجّرتها الواقعة ما زالت مفتوحة:

 

هل يكفي الاعتذار في مواجهة ثقافة إعلامية تُهمّش الضحايا؟

 

وهل يُحاسَب أحد على طريق يواصل حصد الأرواح، أم يظل الموت خبرًا يُقطع من أجله البث… ثم يُنسى؟