أثار حديث قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي الأخير عن طفولته، ونفيه الحاد والمتكرر أن تكون “الشرطة” أو “الجيش” أو “الخارجية” قد اعتدت عليه وهو صغير، موجة واسعة من التساؤلات والسخرية على منصات التواصل.

لم يسأله أحد عن ماضيه مع الضرب أو الإيذاء، لكنه اندفع لينفي واقعة لم يتهمه بها أحد، وبصوت متوتر وعرقٍ ظاهر، كما لاحظ كثيرون. هذا المشهد فتح الباب أمام قراءة مختلفة للخطاب، لا بوصفه مجرد أداء سياسي معتاد، بل كمؤشر على ما يخبّئه اللاوعي من عقد ومخاوف، وربما إحساس داخلي بالدونية أو الجرح القديم الذي لم يُشفَ.

 

نفي بلا سؤال: حين يفضح اللاوعي ما يريد صاحبه إخفاءه

 

الكاتب والإعلامي نظام المهداوي التقط الخيط من زاوية نفسية؛ فتساءل بحدة: من الذي كان يضرب السيسي في طفولته؟ من الذي اعتدى عليه وترك فيه كل هذه العقد؟ واستدعى واحدة من القواعد المعروفة في علم النفس: حين يسارع شخص إلى نفي أمر لم يُسأل عنه أساسًا، فإن عقله الباطن يكون قد استحضر واقعة عميقة الأثر، فيحاول الهروب منها عبر الإنكار العلني.

 

 

المهداوي يرى أن السيسي حين يخرج لينفي – دون مقدمات – أنه تعرض للضرب على يد مؤسسات بعينها، فإنه يقرّ ضمنيًا بوجود “واقعة اعتداء” ما، لكن من مصدر آخر، تركت فيه أثرًا نفسيًا عميقًا. وهو ما يفتح باب التساؤل: من الذي صنع فيه هذه العقد، حتى يظهر متحدثًا وهو يتصبب عرقًا، ويكرر جمل النفي كأنما يطارد شبحًا قديمًا لا يريد الاعتراف به؟

 

الحساب “صلاح الدين” أعاد إنتاج نفس السؤال في صيغة أكثر مباشرة، مؤكدًا أن هذه الطريقة في الكلام لا يمكن فصلها عن الخلفية النفسية لصاحبها، وأن النفي القَلِق يكشف أكثر مما يُخفي، ويشير إلى جرحٍ قديم لم يُعالَج، ينعكس اليوم في علاقة الحاكم بالسلطة والقمع والمجتمع.

 

 

بهذا المعنى، لم يعُد المقطع مجرد “زلة لسان”، بل نافذة يطل منها الناس على شخصية حاكم يمزج بين خطاب ديني مكثف، وإنكار مستمر للمسؤولية، وحديث متكرر عن “الألم” و”التضحية” و”الصبر”، وكأنه في موقع الضحية الدائمة، رغم أنه يمسك بكل مفاتيح القوة في البلاد.

 

سخرية سياسية: من «مش حاقد» إلى حاكم مليء بالعُقَد

 

على الجانب الآخر، تحولت الجملة الشهيرة: «أنا مش حاقد على الشرطة، محدش عملي حاجة وأنا صغير» إلى مادة للسخرية السياسية. الناشط عمر الفتيري لخّص المشهد بتعليق تهكمي قصير، كرر فيه كلمات السيسي ليبرز تناقضها وسذاجتها في الوقت نفسه، وكأن رئيس دولة بملايين السكان يقف ليعلن على الهواء أنه “ليس حاقدًا” لأن أحدًا لم يضربه صغيرًا!

 

 

هذه السخرية تكشف كيف يرى جزء من الرأي العام الخطاب الرئاسي: رئيس غارق في تبرير نفسه، يكرر “أنا مش… أنا ماعملتش… أنا ماخدتش…”، بدل أن يقدم كشف حساب عن سياساته الكارثية التي دمّرت الاقتصاد، وعمّقت الفقر، ووسّعت سجون البلاد ومقابرها. في وعي كثير من المصريين، لا يعود السؤال: “هل ضُرب السيسي في طفولته؟”، بل: “لماذا يتصرف حاكم يملك كل أدوات القهر كمن يحمل ثأرًا قديمًا مع المجتمع، فينتقم من الجميع؟”

 

السخرية هنا أداة مقاومة؛ فحين يعجز الناس عن محاسبة من في السلطة، يلوذون بتفكيك صورته وهيبته عبر النكتة والتهكم. لكن هذه النكتة في جوهرها تعكس قراءة سياسية: حاكم لم يتصالح مع نفسه، يصعب أن يتصالح مع شعبه؛ وشخصية مليئة بالتوتر الداخلي والخوف من “الفضيحة” أو “المحاسبة”، ستظل تميل إلى المزيد من القمع والإنكار كلما اشتد الضغط الشعبي أو الاقتصادي.

 

بين خطاب الضحية وحقيقة الخراب: أسئلة عن الأهلية للحكم

 

الناشطة “هند المصرية” ذهبت أبعد، فربطت بين الخطاب المتوتر وبين سؤال الأهلية للحكم نفسه. تسأل: ماذا حدث للسيسي وهو صغير ليخرج من عقله الباطن هذا الكلام بلا وعي ولا إدراك؟ وتشير إلى أن علم النفس سبق وشرح هذه الظواهر بالتفصيل؛ فحين يتكلم شخص في موقع السلطة بهذه الطريقة، يمكن أن يكون ذلك مؤشرًا على اضطراب نفسي أو عقلي ينعكس على قراراته وسلوكه العام.

 

 

هند لا تفصل بين “ما في رأس الحاكم” و“ما يحدث في حياة الناس”: تعتبر أن السيسي غير صالح لأي منصب، لأنه – في رأيها – مريض نفسيًا وعقليًا، وأن حصيلة سنوات حكمه هي “خراب غير مسبوق”: خراب للبلد، خراب لبيوت الفقراء والأغنياء معًا، انهيار للجنيه، انفجار في الديون، ومناخ عام من الخوف واليأس. بالنسبة لها، كل كلمة ينطق بها الحاكم اليوم تثبت هذا الخراب وتعمّقه، بدل أن تداويه.

 

حتى لو تركنا لغة التشخيص الطبي جانبًا، يبقى السؤال السياسي قائمًا: ماذا يعني أن يظهر رئيس دولة كبرى بهذا القدر من الارتباك النفسي أمام الكاميرا؟ وماذا يعني أن يحتاج، بعد عشر سنوات من الحكم المطلق تقريبًا، إلى أن يثبت للناس أنه “لم يُضرب وهو صغير” وأنه “غير حاقد على الشرطة”؟

 

في النهاية، ما يلتقطه نشطاء ومعارضون من هذه اللقطات ليس مجرد زلات لغوية، بل ملامح نمط حكم كامل: حاكم يحمل جروحًا قديمة، فيُسقطها على شعب كامل؛ يتكلم كثيرًا عن نفسه، وعن براءته، وعن نواياه النقية، بينما تتكلم الوقائع عن سجون ممتلئة، ودماء سالت بلا حساب، واقتصاد يترنح، وبلدٍ يعيش على حافة الإفلاس.

 

وهنا تصبح الأسئلة التي طرحها نظام المهداوي وصلاح الدين وهند المصرية وغيرها، ليست فضولًا عن طفولة شخص، بل استجوابًا علنيًا لمن يمسك بمصير ملايين البشر: إذا كان عقلك الباطن يفضحك إلى هذا الحد أمام الناس، فهل تصلح أصلًا أن تحكمهم؟ وإذا كنت لا تزال تطارد أشباح الماضي في رأسك، فكيف ستخرج ببلد منكسر من كوابيس الحاضر؟