تفجّرت موجة غضب واسعة على منصات التواصل بعد تداول صور تُظهر تعليق لافتات تحمل صورة وزير الأوقاف أسامة الأزهري على واجهة وأسوار مسجد السيدة زينب بالقاهرة، أحد أكثر المساجد رمزية في الوجدان المصري.

 

الجدل لم يكن شكليًا ولا عابرًا، بل مسّ جوهر العلاقة بين الدولة والفضاء الديني، وحدود استخدام بيوت الله في الدعاية الشخصية.

 

القضية اكتسبت زخمًا مضاعفًا بعدما دخلها كتاب وإعلاميون وصحفيون، ومع تبريرات رسمية وُصفت بأنها غير مقنعة، تحولت الواقعة إلى اختبار أخلاقي وسياسي لوزارة الأوقاف، ولسؤال أقدم: هل المساجد محايدة أم قابلة للتسييس البصري؟

 

شرارة الغضب: صورة على جدار مسجد ليست كأي صورة

 

البداية كانت مع منشور للكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى على صفحته في فيسبوك، مرفقًا بصورة تُظهر اللافتات المثيرة للجدل، مطالبًا رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بتدخل فوري لرفع صور الوزير من واجهة وأسوار المسجد، وواصفًا الأمر بأنه “تصرف عجيب ومعيب”، ولا يجوز للدولة السماح باستخدام مساجد الله للدعاية والنفاق لأي وزير “حتى لو كانت عمامة فوق رأسه”.

 

 

تفاعل الشارع الرقمي كان سريعًا وحادًا. فمسجد السيدة زينب ليس منشأة عادية، بل رمز روحي وتاريخي، يرتبط بالذاكرة الشعبية والطقوس الدينية لملايين المصريين. خبراء في علم الاجتماع الديني يرون أن أي مساس بصري بقدسية المكان يُقرأ فورًا باعتباره تجاوزًا، لأن الجدران في المخيال الجمعي مخصصة للذكر والآيات، لا لصور المسؤولين، أيا كانت مناصبهم أو نياتهم.

 

تبريرات الأوقاف تحت النار: “اكتفاء بالظاهر” لا يقنع أحدًا

 

الأزمة تصاعدت أكثر بعد تصريح متحدث وزارة الأوقاف، الذي حاول تبرير وجود الصور باعتباره “اكتفاءً بالظاهر دون الجوهر”. هذا التبرير لم يصمد طويلًا. الإعلامي عمرو أديب علّق بحدة، معتبرًا التفسير غير مقنع، ومطالبًا بشكل مباشر: “شيلوا صور الوزير من على الجامع”.

 

منصات إخبارية رصدت الغضب المتصاعد، مؤكدة أن تعليق صور وزير الأوقاف على مسجد السيدة زينب أثار مطالبات بإزالتها ومحاسبة الوزير، باعتبار ما حدث تجاوزًا غير مبرر.

 

اللافت أن بيان الأوقاف، بدل أن يغلق الملف، زاد الاشتعال. الصحفية رانيا الخطيب اعتبرت أن البيان أكد ضمنيًا أن الوزارة هي من وضعت الصورة “كأن المسجد ملكية خاصة بالوزير والمسؤولين”، محذرة من أن تبرير الواقعة يفتح الباب لتعليق صور أفراد على الجوامع وتحويل الدين إلى تجارة علنية.

 

 

خبراء في الإدارة العامة يرون أن أخطر ما في التبرير ليس الصورة نفسها، بل فكرة التطبيع مع الخطأ، وتحويله إلى سابقة، ما يُضعف مفهوم حياد المؤسسات الدينية ويخلط بين السلطة التنفيذية والفضاء التعبدي.

 

القداسة في مواجهة “التسييس البصري”: ماذا تكشف الواقعة؟

 

تحليلات أعمق رأت في الواقعة نموذجًا لما وصفه البعض بـ“التسييس البصري” للمساجد. منصة “إشراف أون لاين” قدّمت قراءة نقدية معتبرة، ربطت بين قدسية المكان وخطورة إدخال رموز السلطة التنفيذية إلى فضائه البصري، معتبرة أن ذلك يُفهم كتجاوز لحياد المسجد وخلط بين السلطة الزمنية والمقام التعبدي.

 

 

من زاوية فقهية وأخلاقية، اعتبر ناشطون ومختصون أن التصرف مُدان. حساب باسم بسيوني وصف تعليق صورة الوزير على واجهة وأسوار المسجد بأنه “مُستنكر شرعًا وأخلاقيًا”، مؤكدًا أن المساجد بيوت الله وليست لوحات إعلانية لتعظيم المسؤولين أو الدعاية الشخصية.

 

التعليقات الشعبية بدورها حملت سخرية وغضبًا. أحد المستخدمين كتب أن وضع صورة الوزير يفتح الباب نظريًا لوضع صورة أي شخص “طالما بيدفع حوافز”، واصفًا المشهد بـ“أرض النفاق”.

 

آخر تساءل بمرارة: هل الوزير تبرع بالمسجد أو بناه حتى تُعلّق صورته؟ واصفًا الأمر بأنه “يدعو للسخرية”.

 

خبراء السياسة الدينية يرون أن الأزمة تكشف خللًا أعمق في إدارة العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية. فبدل أن تكون وزارة الأوقاف حارسة للحياد والقداسة، بدت وكأنها تخلط بين الإنجاز الإداري والدعاية الشخصية. الأخطر أن الإصرار على التبرير يوحي بعدم إدراك لحساسية الرموز، ويُضعف ثقة الناس في خطاب رسمي يُفترض أنه يحمي قدسية المساجد لا يستغلها.

 

في المحصلة، القضية تجاوزت صورة ولافتة. إنها اختبار لاحترام قدسية الفضاء الديني، وحدود ما يجوز وما لا يجوز في زمن تداخل السلطة مع الرموز. إزالة الصور قد تُنهي المشهد بصريًا، لكنها لن تُنهي السؤال الأكبر: هل تتعلم المؤسسات من الغضب الشعبي، أم تُصر على إعادة إنتاج الخطأ باسم “الجوهر”؟