في الوقت الذي تطارد فيه مصلحة الضرائب العقارية المواطنين في عقر دارهم، وتلاحق أصحاب الورش الصغيرة والمحال التجارية لتحصيل "المليم" لسد عجز الموازنة المتفاقم، تأتي القرارات السيادية لتكشف عن الوجه الحقيقي لنظام 3 يوليو.

 

قرار إعفاء "الأندية والفنادق والمراكز الطبية والمستشفيات والعيادات العسكرية" وكافة العقارات المبنية المملوكة للقوات المسلحة من الضريبة العقارية، ليس مجرد إجراء إداري، بل هو ترسيخ لواقع "الدولة داخل الدولة".

 

هذا القرار يضع إمبراطورية الجيش الاقتصادية فعليًا خارج نطاق المحاسبة الضريبية، بينما يرزح المواطن العادي والقطاع الخاص تحت وطأة رسوم وجبايات لا تنتهي، مما يثير تساؤلات مشروعة حول العدالة الاجتماعية ومفهوم "المواطنة" في جمهورية الضباط.

 

تفاصيل القرار: تقنين "الحصانة الاقتصادية" تحت عباءة الأمن القومي

 

يستند القرار في ظاهره إلى تعديلات تشريعية على قانون الضريبة على العقارات المبنية، والتي تمنح إعفاءً كاملاً للأبنية المملوكة لجهات سيادية (الجيش والشرطة والمخابرات) بدعوى استخدامها في أغراض "الدفاع والأمن القومي".

 

لكن الشيطان يكمن في التفاصيل؛ فالتطبيق العملي لهذا الإعفاء لا يقتصر على الثكنات العسكرية أو القواعد الجوية – وهو أمر متعارف عليه دوليًا – بل يمتد ليشمل شبكة واسعة من الأصول الاستثمارية والتجارية.

 

يشمل الإعفاء سلاسل فنادق "توليب" و"الماسة"، وقاعات الأفراح، والنوادي الفاخرة التي تدر مليارات الجنيهات سنويًا وتنافس القطاع الخاص في عقر داره.

 

هذه المنشآت التي تقدم خدمات ترفيهية وتجارية بحتة للجمهور مقابل أسعار سوقية (وأحيانًا أعلى)، باتت تتمتع بميزة تنافسية غير عادلة: "صفر ضرائب".

 

وبذلك، يتحول "الأمن القومي" إلى شماعة لتمرير امتيازات تجارية تجعل من المؤسسة العسكرية المستثمر الوحيد المعفى من الأعباء التي تكسر ظهر أي منافس آخر.

 

المنافسة غير العادلة: خنق القطاع الخاص لصالح "بيزنس العسكر"

 

يمثل هذا القرار مسمارًا جديدًا في نعش القطاع الخاص المصري.

 

فكيف لمستثمر مدني أن ينافس كيانًا يمتلك الأرض بالمجان، ويستخدم العمالة بنظام التجنيد الإجباري (سخرة) أو بأجور زهيدة، والآن يُعفى تمامًا من الضرائب العقارية؟

 

هذه المعادلة الصفرية جعلت من السوق المصري بيئة طاردة للاستثمار الحقيقي، وحولت الاقتصاد إلى ساحة احتكار لصالح جهة واحدة.

 

الرسالة التي يرسلها النظام من خلال هذه الإعفاءات هي أن الدولة لا تسعى لتنظيم السوق، بل لتأميمه لصالح المؤسسة العسكرية.

 

فبينما يشتكي أصحاب الفنادق والشركات العقارية من تعدد الأوعية الضريبية والرسوم التي تلتهم هوامش الربح، ينعم "اقتصاد الجيش" بحماية قانونية تجعل أرباحه صافية وغير خاضعة لأي رقابة من الجهاز المركزي للمحاسبات أو البرلمان، مما يعمق من تشوه الهيكل الاقتصادي للدولة.

 

المواطن يدفع الفاتورة: جباية على الفقراء ورفاهية للأسياد

 

الوجه الأكثر قبحًا لهذا القرار يتجلى عند مقارنته بحال المواطن المصري.

 

فالحكومة التي تدعي الفقر وتقسم أنها "مش لاقية تاكل"، لا تتوانى عن فرض الضريبة العقارية على سكن الأسرة (إذا تجاوز حد الإعفاء المحدود) وعلى المحال الصغيرة.

 

وتلاحق المواطنين بفواتير كهرباء ومياه وغاز بأسعار عالمية، بدعوى رفع الدعم وتخفيف العبء عن الموازنة.

 

المفارقة الصارخة هنا هي أن "التقشف" و"تحمل المسؤولية" شعارات موجهة حصريًا للفقراء والطبقة المتوسطة.

 

أما المؤسسات السيادية، فهي تعيش في بحبوحة الإعفاءات. الضرائب التي يتم إعفاء الجيش منها، يتم تعويضها بزيادة الجبايات على الشعب.

 

هذا القرار يرسخ طبقية بغيضة؛ حيث يوجد "سادة" يملكون ويديرون ويربحون دون دفع مليم، و"عبيد" مطالبون بدفع ثمن إقامة السادة في قصورهم وفنادقهم المعفاة.

 

وأخيرا، يكشف قرار إعفاء مباني الجيش من الضريبة العقارية عن العقيدة الحاكمة لنظام الانقلاب: "مصر للجيش، والجيش للسيسي، والشعب مجرد مستأجر".

 

إن هذه السياسات لا تؤدي فقط إلى تآكل ما تبقى من الاقتصاد الوطني، بل تضرب في الصميم مفهوم الدولة الحديثة القائمة على المساواة أمام القانون.

 

لقد حول النظام الخزانة العامة إلى جيب مفتوح للمؤسسة العسكرية، بينما ترك المواطنين فريسة للغلاء والجباية.

 

وما لم يتم تفكيك هذه الإمبراطورية الاقتصادية الطفيلية وإخضاع كافة الأنشطة التجارية – مدنية كانت أو عسكرية – لقانون موحد، ستظل مصر تدور في فلك الفشل الاقتصادي، وستظل "السيادة" مجرد غطاء لنهب مقدرات الوطن لصالح فئة واحدة.