لم تعد خرائط الشرق الأوسط تُرسم فقط على موائد الحرب، بل على طاولات التعاقدات، في الموانئ والمناطق الاقتصادية ومراكز البيانات.
المشهد الجديد لا يحتاج دبابات لفرض السيطرة؛ يكفيه امتلاك “عُقد التحكّم”: لوجستيات التجارة، الغذاء، المال، والبيانات.
وفي قلب هذا التحول، تبرز الإمارات كنموذج لقوة صغيرة الحجم لكنها شديدة الفاعلية: سريعة القرار، متقدمة في أدواتها، ومسنودة بشبكة تحالفات واسعة.
وفق هذا المنطق، لا يتحرك النفوذ الإماراتي كاستثمار منفصل هنا أو هناك، بل كمنظومة مترابطة تُعيد تشكيل ميزان القوى عبر “تفكيك هادئ” لمراكز الثقل التقليدية: تحييد دور السعودية، اختراق الاقتصاد المصري من الداخل، وتحويل السودان إلى فوضى قابلة للإدارة. هذه قراءة تحليلية لمسار لا يعلن نفسه كحرب… لكنه يغيّر قواعد اللعبة.
من القيادة التقليدية إلى القيادة الوظيفية: كيف يُعاد تعريف النفوذ؟
لعقود، كانت “القيادة الإقليمية” تُقاس بالثقل السكاني، الرمزية الدينية، والقدرة العسكرية المباشرة. أما اليوم فالمعيار يتحول إلى “الكفاءة التشغيلية”: من يملك الموانئ يملك سلاسل الإمداد، ومن يملك البيانات يملك القرار قبل أن يُتخذ، ومن يملك التمويل يملك ولاءات النخب والاقتصاد.
ضمن هذا التحول، تتقدم الإمارات لا باعتبارها منافسًا صاخبًا، بل كمُشغّل إقليمي يشتري “مفاتيح الحركة” في المنطقة: محطة هنا، شركة خدمات هناك، حصة في بنك، امتياز طويل الأجل لميناء، أو مركز بيانات يستضيف قطاعات حساسة. الفكرة ليست الاستحواذ على الأرض وحدها، بل الاستحواذ على الزمن: عقود تمتد لعشرات السنين تعني أن النفوذ يصبح بنيويًا لا ظرفيًا.
وهنا تتقاطع المنفعة مع السياسة: عندما تتحول الشراكات الاقتصادية إلى نفوذ سياسي غير معلن، يصبح السؤال الحقيقي: من يملك القدرة على إيقاف أو تمرير التجارة، الكهرباء، التمويل، أو تدفق المعلومات؟ في النظام الجديد، هذا هو تعريف القوة.
تحييد السعودية بلا صدام مباشر: منافسة عبر الأطراف لا عبر العناوين
إذا كانت السعودية تمثل الثقل العربي الأكبر، فإن الصراع معها—وفق هذه القراءة—لا يأتي في صورة مواجهة مباشرة، بل في صورة منافسة على “الأدوار”: من يقود ملفات البحر الأحمر، اليمن، الاستثمارات العابرة، وملف التطبيع التكنولوجي والاقتصادي مع الغرب.
في اليمن مثلًا، يمكن قراءة النفوذ على أنه سباق على الموانئ والممرات: من يثبت حضوره على السواحل يملك ورقة باب المندب والبحر الأحمر. وفي الدبلوماسية، تتحرك الإمارات بمرونة أعلى عبر قنوات متعددة مع قوى متباينة المصالح، لتضمن بقاءها “مقبولة” لدى أطراف متضادة، بينما تُقيد الخيارات التقليدية قدرة الرياض على المناورة.
هذا لا يعني بالضرورة عداء معلنًا، بل يعني إعادة توزيع النفوذ داخل المعسكر الواحد. النتيجة: السعودية تُدفع—بحكم الوقائع—إلى دور أكثر حذرًا، بينما تُقدّم الإمارات نفسها كـ”شريك عملي” يمكنه تنفيذ المشاريع، ضبط الشبكات، وإدارة الملفات الحساسة بسرعة.
السودان: الفوضى القابلة للإدارة… حين يصبح الذهب تمويلًا للنفوذ
السودان، في هذا التصور، ليس مجرد أزمة داخلية؛ هو ساحة مثالية لـ”اقتصاد الفوضى”: موارد ضخمة، مؤسسات ضعيفة، وحدود مفتوحة. في مثل هذا المناخ، يصبح الذهب عملة استراتيجية: قابل للتهريب، سهل التسييل، ويمكنه تمويل شبكات نفوذ بعيدًا عن الرقابة المصرفية التقليدية.
حين يتسرب الذهب عبر قنوات تجارية ومالية إلى مراكز إعادة التكرير والتصدير، يتحول إلى “وقود” لمشاريع النفوذ الإقليمي: شراء ولاءات محلية، تمويل عمليات عسكرية بالوكالة، أو ضخ استثمارات في مناطق أخرى لتأمين مواقع استراتيجية.
وبهذا المعنى، لا يعود الذهب قصة اقتصاد ظل فقط، بل جزءًا من معادلة جيوسياسية: الفوضى ليست فشلًا كاملًا، بل “فوضى مدارة” تضمن استمرار تدفق الموارد مقابل استمرار هشاشة الدولة.
الأخطر أن السودان بهذا يتحول من دولة ذات سيادة إلى “منصة”: منصة موارد، منصة تجنيد، ومنصة ضغط على الجوار (مصر، ليبيا، تشاد، والبحر الأحمر). وعندما يصبح بلدٌ كامل “منصة”، فإن استقراره لم يعد هدفًا للجميع، بل قد يصبح تهديدًا لمصالح المستفيدين من استمرار الفوضى.
مصر: الاختراق الهادئ عبر الموانئ والغذاء والمال والبيانات
في الحالة المصرية، يتجسد “التفكيك الهادئ” في نقل مفاتيح حساسة من الدولة إلى شبكات امتيازات واستحواذات وشراكات طويلة الأجل. لا يحتاج الأمر إعلانًا سياسيًا؛ يكفي تحريك الاقتصاد في اتجاه يخلق تبعية هيكلية.
أولًا: الموانئ واللوجستيات
عندما تدخل شركات كبرى لإدارة أو تطوير موانئ ومحطات حاويات ومناطق لوجستية، فالأمر يتجاوز العائد المالي المباشر. الميناء ليس مجرد رصيف؛ هو نقطة تحكم في التجارة، وسلاسل الإمداد، وتكاليف الاستيراد والتصدير. إذا أصبحت حلقات لوجستية حيوية تحت إدارة خارجية طويلة الأجل، فإن الدولة تفقد جزءًا من قدرتها على المناورة عند الأزمات: من يتحكم في البوابة يتحكم في الإيقاع.
ثانيًا: الأمن الغذائي والزراعة
الاستثمار الزراعي ليس قطاعًا عاديًا في بلد يعاني ضغوطًا على العملة واستيراد الحبوب. السيطرة على مساحات إنتاج أو شركات أسمدة وسكر ولحوم تعني تأثيرًا غير مباشر على أسعار الغذاء وعلى استقرار المجتمع. الغذاء في الشرق الأوسط سياسة قبل أن يكون اقتصادًا، وأي تبعية في هذا الملف تتحول بسرعة إلى ورقة ضغط.
ثالثًا: القطاع المالي والتحويلات
امتلاك حصص في بنوك أو شركات دفع إلكتروني أو منصات تمويل يخلق نفوذًا دقيقًا: قدرة على قراءة حركة السوق، تموضع داخل مفاصل الاقتصاد، وتوجيه الاستثمار. ليست الفكرة أن “المال يتجسس”، بل أن من يملك البنية المالية يملك القدرة على تشكيل الأولويات والخيارات: أي القطاعات تُموّل، ومن يصعد ومن يتراجع.
البيانات والبنية الرقمية
هنا قلب الخطر في عصر الذكاء الاصطناعي: مراكز البيانات، الحوسبة السحابية، وكابلات الاتصالات البحرية ليست مجرد خدمات تقنية. إنها بنية تحتية سيادية.
من يستضيف البيانات—خصوصًا إن كانت لقطاعات حساسة—يمتلك قدرة على النفوذ غير المرئي: ليس بالضرورة عبر اختراق مباشر، بل عبر “تشكيل بيئة القرار” نفسها: ما الذي يُقاس؟ ما الذي يُعرض على صانع القرار؟ ما الذي يُعتبر خطرًا وما الذي يُعتبر فرصة؟ النفوذ الرقمي لا يحتاج جنودًا؛ يحتاج عقودًا غير شفافة، وطبقات تشغيل لا يراها الجمهور.
وختاما فـ “نظام التفكيك الهادئ” لا يُعلن نفسه كاحتلال، ولا يأتي في صورة انقلاب عسكري.
إنه تراكم صفقات وشراكات وامتيازات تُحوّل الدول تدريجيًا إلى كيانات أقل سيادة: بوابات تجارتها خارج يدها، غذاؤها تحت التأثير، مالها مرتبط بشبكات تمويل، وبياناتها تتنقل عبر منصات لا تملك مفاتيحها.
عام 2026 قد لا يشهد “نهاية الشرق الأوسط” كجغرافيا، لكنه قد يشهد نهاية الشرق الأوسط كما عرفناه: دول مركزية تتحول إلى “ملفات”، وحدود النفوذ تنتقل من الخرائط الورقية إلى خرائط الموانئ والسيرفرات.
والسؤال الذي يبقى: هل تُراجع الدول جذور هذا المسار قبل أن يصبح واقعًا لا رجعة فيه… أم تنتظر حتى تكتشف أن السيادة لم تُفقد بضربة واحدة، بل بتوقيعٍ بعد توقيع؟

