كشف نائب وزير الصحة والسكان في مصر عن رصد سلالات متداولة من الفيروسات التنفسية خلال موسم الشتاء الحالي، مع تأكيده أن الصورة العامة لا تشير إلى متحورات “خطرة” أو وباء جديد بالمعنى الذي يتداوله البعض.

 

وبين التطمينات الرسمية وتزايد المخاوف الشعبية، يبرز سؤال جوهري: هل تدير حكومة الانقلاب ملف الصحة العامة بشفافية وكفاءة، أم بمنطق “نفي الذعر” دون معالجة جذور الضعف في الوقاية والجاهزية؟

 

ماذا قال نائب الوزير؟

 

صرّح الدكتور عمرو قنديل، نائب وزير الصحة والسكان، بأن موسم الإنفلونزا الحالي بدأ مبكرًا بنحو ثلاثة أسابيع مقارنة بالسنوات السابقة في مصر، وبما يشبه اتجاهًا عالميًا هذا العام.

 

وأوضح أن معدل انتشار فيروسات الإنفلونزا في الفترة الحالية أقل مما كان عليه خلال شهر نوفمبر الماضي.

 

كما أشار إلى أن فيروسات الإنفلونزا هي الأكثر انتشارًا بين الفيروسات التنفسية حاليًا، تليها في الانتشار فيروسات أخرى مثل الفيروس الأنفي ثم الفيروس المخلوي التنفسي.

 

وفي تصريحات سابقة خلال ديسمبر، شدد قنديل على أنه “لا توجد أي فيروسات جديدة أو غامضة” في مصر، وأن الوزارة لم ترصد متحورات مقلقة خارج المتحورات المعروفة عالميًا، داعيًا لعدم الذعر.

 

وذكر أيضًا أن المعامل المركزية تجري فحوصات دورية تشمل التسلسل الجيني لرصد أي تغيرات، وأن النتائج حتى ذلك الوقت لم تظهر تحورات مقلقة.

 

وأكد أن لقاح الإنفلونزا الموسمي المتوفر يتضمن السلالات الأساسية ويوفر حماية فعّالة، وأن عقار “تاميفلو” ما يزال فعالًا ضد سلالات الإنفلونزا.

 

“سلالات جديدة” أم “فيروس جديد”؟

 

اللافت أن الحديث عن “سلالات” قد يُفهم شعبيًا على أنه ظهور “فيروس جديد”، بينما تؤكد تصريحات مسؤولي الصحة أن ما يجري مرتبط بفيروسات تنفسية موسمية معروفة، وعلى رأسها الإنفلونزا.

 

في مؤتمر وتصريحات منشورة، أكد وزير الصحة خالد عبدالغفار عدم وجود “فيروسات جديدة” أو متحورات أشد خطورة، وأن اللقاح الموسمي للإنفلونزا فعال، مع نفي وجود فيروس ماربورغ في مصر.

 

هذا التمييز مهم: “سلالة” قد تعني تغيّرًا داخل فيروس معروف مثل الإنفلونزا، لا ظهور عامل مرضي مجهول، لكن ضعف الرسالة الاتصالية الرسمية كثيرًا ما يترك مساحة للقلق والشائعات.

 

ما الذي يعنيه ذلك للمواطن؟

 

البيانات الرسمية تربط ازدياد الأعراض بموسم الشتاء ونشاط الإنفلونزا، وتؤكد أن الوضع الوبائي تحت المتابعة والدعوة للالتزام بالإجراءات الوقائية والحصول على لقاح الإنفلونزا خاصة للفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.

 

وجود خريطة موسمية لفيروسات متعددة (إنفلونزا، فيروس أنفي، فيروس مخلوي) يعني أن تزايد أعراض البرد والسعال لا يساوي تلقائيًا إعلان خطر استثنائي، لكنه يرفع أهمية الترصد المعملي والشفافية في نشر الأرقام.

 

كما أن تأكيد الوزارة على فعالية لقاح الإنفلونزا الموسمي وفعالية العلاج المضاد للإنفلونزا يضع المسؤولية على الدولة لتوفير اللقاحات والمعلومات وخدمات التشخيص المبكر بعدالة، لا ترك المواطن يتخبط بين الخوف والتطبيب الذاتي.

 

واخيرا فان المشكلة ليست في وجود موسم إنفلونزا مبكر—فهذا يحدث—بل في نموذج إدارة حكومة الانقلاب لملفات الصحة: خطاب يكتفي غالبًا بطمأنة عامة، دون أن يواكبها كشف منتظم ومقروء للناس عن نسب الانتشار، وطاقة المستشفيات، وتوافر اللقاحات، وخطة حماية الفئات الأضعف.

 

وعندما تتكرر عبارات مثل “لا داعي للذعر” بينما يعاني المواطن فعليًا من ضغط اقتصادي وصحي، تصبح الرسالة ناقصة: المطلوب ليس تهدئة الشارع فقط، بل بناء ثقة قائمة على بيانات وتدبير حقيقي.

 

وفي بلد تُدار فيه القطاعات الحيوية بعقلية العلاقات العامة، سيظل كل موسم مرضي بسيط مرشحًا للتحول إلى موجة خوف… لأن الدولة لم تُحسن بعد إدارة الحقيقة قبل إدارة الانطباع.