في مشهد يعكس الوجه الخفي لما يُعرف بالمشروعات القومية، ظهر عامل مصري في مقطع فيديو متداول وهو يستغيث بعد تعرّضه لإصابة أثناء عمله داخل العاصمة الإدارية الجديدة، مؤكدًا أنه تم طرده من المستشفى دون استكمال علاجه، رغم أن إصابته وقعت أثناء تأدية عمله.
الفيديو، الذي لا يتجاوز دقيقة واحدة، يظهر فيه العامل بملامح مرهقة وصوت متكسّر، وهو يشرح معاناته بلغة بسيطة خالية من الشعارات أو الخطاب السياسي، مكتفيًا بعرض شكوى إنسانية مباشرة: “اشتغلت واتصبت… وودّوني المستشفى… وطردوني”.
"طردوني من المستشفى"..
— شبكة رصد (@RassdNewsN) January 7, 2026
مواطن يستغيث بعد إصابته أثناء العمل في العاصمة الإدارية pic.twitter.com/VOdBlTNTa6
إصابة عمل بلا مسؤول
بحسب رواية العامل، فإن إصابته بقطع كامل لأحد إصبعه حدثت أثناء العمل في أحد مواقع الإنشاء بالعاصمة الإدارية، قبل أن يتم نقله إلى مستشفى لتلقي العلاج. غير أن المفاجأة، وفق ما جاء في الفيديو، كانت إخراجه من المستشفى دون استكمال العلاج أو تحمّل أي جهة لتكاليفه، ما تركه في مواجهة الألم والعجز دون غطاء طبي أو قانوني.
وتسلّط هذه الواقعة الضوء على واحدة من أخطر أزمات سوق العمل في مصر: تفريغ المسؤولية. ففي كثير من مواقع المشروعات الكبرى، يعمل آلاف العمال بعقود غير مستقرة أو عبر مقاولين من الباطن، ما يجعل تحديد الجهة المسؤولة عن إصابات العمل مسألة شديدة التعقيد، تنتهي غالبًا بترك العامل وحيدًا.
العاصمة الإدارية… مدينة المستقبل أم اختبار العدالة؟
لا يحمل ذكر العاصمة الإدارية في هذه الواقعة دلالة مكانية فقط، بل رمزية أيضًا. فالعاصمة الجديدة تُقدَّم رسميًا باعتبارها أيقونة “الجمهورية الجديدة” ومدينة ذكية تُدار بأحدث النظم، إلا أن شهادة العامل المصاب تكشف فجوة صارخة بين صورة المشروع وخلفيته الاجتماعية.
في مدينة تُقدَّر استثماراتها بمئات المليارات، لا يجد عامل مصاب سرير علاج آمنًا. هذا التناقض يعيد طرح سؤال جوهري: هل تُقاس حداثة الدول بجودة المباني، أم بقدرتها على حماية الإنسان الذي يبنيها؟
ماذا يقول القانون؟
قانون العمل والتأمينات الاجتماعية في مصر ينص بوضوح على أن:
- إصابة العمل تُلزم جهة العمل بتوفير العلاج الكامل للمصاب.
- لا يجوز للمستشفيات، خصوصًا الحكومية، الامتناع عن علاج الحالات الطارئة.
- العامل يظل محميًا قانونيًا حتى في حال غياب عقد مكتوب، طالما ثبتت علاقة العمل.
غير أن الواقع، كما تعكسه هذه الحالة، يشير إلى فجوة واسعة بين النص القانوني والتطبيق العملي، خاصة في المشروعات الكبرى التي تتشابك فيها الجهات المنفذة والمقاولون والشركات الوسيطة.
أزمة فردية أم خلل ممنهج؟
رغم أن الواقعة تخص عاملًا واحدًا، فإنها تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع:
- كم عدد إصابات العمل التي تمر دون توثيق؟
- من يراقب التزام الشركات والمقاولين بمعايير السلامة؟
- ولماذا يغيب نظام واضح وسريع لتعويض المصابين؟
الخطورة لا تكمن في الحادثة ذاتها، بل في تحوّلها إلى نمط متكرر يُدار بالصمت، حتى يصبح الألم “جزءًا طبيعيًا” من تكلفة التنمية.
الخلاصة أن ما كشفه هذا الفيديو يتجاوز كونه استغاثة فردية، ليصبح شهادة اجتماعية على هشاشة منظومة حماية العمال في بعض أكبر مشروعات الدولة. فالدولة التي تراهن على المستقبل لا يمكنها تجاهل الحاضر، ولا يمكن لمشروعات الإسمنت والخرسانة أن تحجب سؤال العدالة.
وفي النهاية، لا يُقاس نجاح المدن الجديدة بعدد الأبراج، بل بعدد العمال الذين يعودون إلى بيوتهم سالمين.

