اتفاق الغاز بين مصر وسوريا يكشف بوضوح كيف توظّف حكومة الانقلاب ملف الطاقة خارجيًا لتلميع صورة سياسية مهترئة، بينما تترك الداخل غارقًا في أزمات كهرباء وديون وغلاء لا يرحم. الاتفاقيتان تبدوان على الورق خطوة استراتيجية، لكنّ قراءتهما في سياق الواقع المصري والسوري يحولهما إلى جزء من لعبة إقليمية تحاول فيها السلطة في القاهرة تعويض فشلها الداخلي بعناوين “مركز إقليمي للطاقة” وشعارات التكامل، دون مردود حقيقي يشعر به المواطن.
تفاصيل الاتفاقيتين: غاز لمولدات سوريا.. وصورة لمشهد إقليمي
الاتفاق يشمل مذكرتي تفاهم بين وزارة البترول المصرية ووزارة النفط والثروة المعدنية في سوريا؛ الأولى لنقل وتصدير الغاز الطبيعي لاستخدامه في توليد الكهرباء داخل سوريا عبر استغلال قدرات المعالجة والنقل المصرية، والثانية لتأمين جانب من احتياجات دمشق من المنتجات البترولية لتشغيل محطات الطاقة والقطاع الصناعي.
تم التوقيع بحضور الوزير المصري كريم بدوي ونائب وزير الطاقة السوري غياث دياب، في إطار إعلان مشترك عن “توسيع شراكة الغاز” وربط سوريا بالبنية التحتية المصرية، خاصة شبكات النقل ومحطات الإسالة، بما فيها ما يرتبط بخط الغاز العربي.
بهذا المعنى، تضع القاهرة نفسها كـ “معبر” ووسيط للطاقة باتجاه الشمال، مستفيدة من مواقع الموانئ ومحطات الإسالة وشبكات الأنابيب، بينما تقدّم دمشق الاتفاق باعتباره خطوة لإعادة إنعاش قطاع الكهرباء المنهك بفعل الحرب والعقوبات.
توظيف “مركز الطاقة” خارجيًا.. وإهمال الداخل
هذه الخطوة تأتي ضمن حزمة تحركات مشابهة؛ من مذكرة التفاهم مع لبنان لتغذية محطة دير عمار بالغاز، إلى الاتفاق مع قطر لزيادة شحنات الغاز الطبيعي المسال لمصر خلال 2026 عبر موانئ السخنة ودمياط، في محاولة لتدعيم صورة البلاد كمركز إقليمي لتجارة وتسييل الغاز.
لكن التناقض الصارخ يتمثل في أن الحكومة نفسها التي تتباهى بهذه الشبكات والتحالفات هي التي رفعت أسعار الكهرباء والوقود على المواطنين، وفرضت سياسات تقشف قاسية، بحجة نقص العملة وارتفاع فاتورة الطاقة.
ما يجري يثير سؤالاً مشروعًا: كيف تعلن السلطة قدرتها على تلبية احتياجات دول أخرى من الغاز والمنتجات البترولية، بينما تدفع المصريين لتحمل انقطاعات متكررة في الكهرباء وزيادات في الفواتير، تحت مبررات “أعباء الدعم” و”ضغط الشبكة”؟ هذا الاستخدام السياسي لملف الطاقة يحول الموارد إلى أداة نفوذ ودعاية، أكثر من كونه برنامجًا متوازنًا يخدم أولاً حق المواطن في طاقة مستقرة وبسعر عادل.
البعد السياسي: شرعنة أنظمة مأزومة وتبادل خدمات لا تخدم الشعوب
الصفقة لا يمكن فصلها عن حسابات الأنظمة لا مصالح الشعوب؛ نظامان مأزومان – في القاهرة ودمشق – يسعيان لتبادل الأكسجين السياسي عبر اتفاقات طاقة تمنحهما هامش حركة أوسع في مواجهة الضغوط الخارجية، مع الاحتفاظ بنفس البنية القمعية داخليًا.
بالنسبة لنظام الانقلاب في مصر، فإن الانخراط في إعادة تأهيل النظام السوري اقتصاديًا يقدَّم كدور “عقلاني وبراغماتي”، لكنه عمليًا يستثمر في بقاء نفس المنظومة التي دمّرت اقتصادها ومجتمعها، متجاهلًا أن أي تعاون حقيقي يجب أن يكون جزءًا من مسار أوسع نحو انتقال سياسي وتخفيف معاناة المدنيين.
كما أن هذه الاتفاقات تُستخدم لإرسال رسائل للخارج بأن القاهرة لاعب لا غنى عنه في معادلة الطاقة الإقليمية، لعل ذلك يترجم إلى قروض أو تسهيلات أو غض طرف عن انتهاكات حقوق الإنسان. هنا يتحول الغاز والكهرباء إلى ورقة مقايضة: نفوذ وغطاء إقليمي مقابل صمت دولي على القمع، لا مقابل تنمية حقيقية أو إصلاح داخلي.
من يستفيد فعليًا؟ شركات، أجهزة، ودوائر ضيقة
على مستوى التطبيق، ستستفيد بالأساس شبكات محددة من هذه الاتفاقيات:
شركات وهيئات تابعة للدولة والأجهزة ستحصل على عمولات، أو رسوم عبور، أو عقود تشغيل طويلة الأمد.
دوائر ضيقة في قمة السلطة ستستخدم الاتفاقات كدليل “نجاح خارجي” لتسويق نفسها في الداخل والخارج، في حين لا ينعكس ذلك على تخفيف أعباء المواطن أو الاستثمار في بنية تحتية خدمية عادلة.
في المقابل، يظل المصري محاصرًا بغلاء فواتير الطاقة وضرائب غير مباشرة، والسوري تحت وطأة الفقر وانهيار الخدمات، بينما تُقدَّم هذه الاتفاقيات في الإعلام الرسمي كفتح استراتيجي، بدون شفافية حول الأسعار، مدة العقود، آليات تقاسم العوائد، أو الشروط السياسية المترتبة عليها.
واخيرا فان اتفاقيات الغاز بين مصر وسوريا قد تبدو على السطح خطوة منطقية في مسار تعاون إقليمي للطاقة، لكنها في إطار نموذج الحكم الحالي في القاهرة تتحول إلى حلقة جديدة في مسلسل توظيف الموارد لصالح شرعية سلطة مأزومة، لا لصالح شعوب تبحث عن كهرباء مضمونة وغذاء ميسّر وفرص عمل.
حكومة الانقلاب التي فشلت في حماية الجنيه وضبط الأسعار وتطوير خدمات الطاقة داخليًا، تحاول الهروب إلى الأمام عبر عناوين “مركز إقليمي” و”شراكات استراتيجية”، بينما الحقيقة على الأرض تقول إن أي اتفاق طاقة لا يبدأ من حق المواطن في بلده لن ينتهي إلا إلى تعميق الفجوة بين صورة الدعاية وواقع الانهيار.

