خرجت العاصمة البريطانية لندن، يوم السبت، في واحدة من أقوى موجات التضامن مع غزة منذ بدء وقف إطلاق النار الشكلي في القطاع، حيث احتشد عشرات الآلاف في ميدان راسل قبل أن ينطلقوا في مسيرة حاشدة باتجاه شارع وايت هول، أمام مقر رئاسة الوزراء.
الهتافات لم تكن فقط ضد جرائم الاحتلال في غزة، بل ضد استمرار الحكومة البريطانية في بيع السلاح لتل أبيب، رغم توثيق مئات الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ 10 أكتوبر 2025، وما خلفه ذلك من شهداء وجرحى ودمار يكاد يمحو غزة من الخريطة.
Today, our national march. We the people demand:
— Claudia Webbe (@ClaudiaWebbe) January 31, 2026
No to war in Iran. Hands off Gaza. Stop arming Israel. Free Palestine.
This is London, England pic.twitter.com/5Xzq68n0Go
بحر بشري في قلب لندن: غضب من خروقات وقف النار وتسليح الاحتلال
منذ ساعات الصباح الأولى، بدأ المتظاهرون يتدفقون إلى ميدان راسل وسط لندن، حاملين أعلام فلسطين ولافتات تندد بالاحتلال وتحمّل الحكومة البريطانية مسؤولية المشاركة في الجريمة عبر استمرار تصدير السلاح لإسرائيل.
ومع اكتمال الحشد، تحوّل الميدان إلى بحر بشري أخضر وأحمر وأسود، قبل أن تتحرك المسيرة في شوارع العاصمة حتى وايت هول، حيث مقر رئاسة الوزراء ومراكز صنع القرار في البلاد.
الهتافات كانت حادة وصريحة: إدانة لخرق إسرائيل المتكرر لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، واتهام مباشر للحكومة البريطانية بـ"التواطؤ" و"التربح من الدم الفلسطيني" عبر استمرار عقود التسليح.
المتظاهرون طالبوا بوقف فوري لكل صادرات السلاح إلى تل أبيب، وفرض حظر تسليح كامل على دولة الاحتلال، انسجامًا مع التزامات بريطانيا بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، التي تحظر دعم طرف يرتكب جرائم حرب موثقة.
شارك في المسيرة طيف واسع من المكونات السياسية والنقابية والمدنية؛ فقد حضر النائبان العماليّان جون ماكدونيل وزارا سلطانة، المعروفان بمواقفهما المؤيدة للحقوق الفلسطينية، وألقيا كلمات تهاجم استمرار تصدير السلاح وتطالب بوقفه فورًا.
كما شارك الطبيب البريطاني من أصل فلسطيني غسّان أبو ستة، الذي أصبح رمزًا دوليًا لشهادات الأطباء عن فظائع الحرب في غزة، مؤكدًا أن قنابل تُصنع وتُرخص في بريطانيا هي التي تمزّق أجساد الأطفال في القطاع المحاصر. هذه المشاركة البرلمانية والطبية عززت الطابع السياسي للمسيرة، لتبدو أقرب إلى محاكمة شعبية لسياسة الحكومة البريطانية تجاه الحرب في غزة.
وقف إطلاق نار على الورق ومجازر على الأرض: أرقام تكشف حجم الجريمة
في خلفية الهتافات الغاضبة، تقف أرقام صادمة عن حصيلة خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، بعد حرب إبادة بدأت في 8 أكتوبر 2023 واستمرت عامين كاملين تقريبًا.
وفق أحدث معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ارتكب جيش الاحتلال منذ بدء سريان الاتفاق نحو 1450 خرقًا، أسفرت عن استشهاد 524 فلسطينيًا وإصابة حوالي 1360 آخرين في أقل من أربعة أشهر، في انتهاك مفضوح لأي معنى حقيقي للتهدئة أو الالتزام بالاتفاقات.
المسيرة في لندن تزامنت مع استشهاد 37 فلسطينيًا خلال 24 ساعة فقط، جراء غارات إسرائيلية جديدة استهدفت مناطق متفرقة من القطاع، ما كشف عمليًا أن ما يسمى "وقف إطلاق النار" مجرد غطاء سياسي يسمح للاحتلال بمواصلة القتل بوتيرة أقل صخبًا إعلاميًا.
هذه الخروقات تأتي فوق حصيلة مرعبة حصدتها الحرب منذ 8 أكتوبر 2023 وحتى توقيع الاتفاق؛ إذ استشهد أكثر من 71 ألف فلسطيني وأصيب نحو 171 ألفًا، وفق التقديرات الفلسطينية، معظمهم من النساء والأطفال، بينما تعرضت 90% من البنية التحتية في غزة لدمار كامل أو جزئي.
الأمم المتحدة قدّرت تكلفة إعادة إعمار القطاع بنحو 70 مليار دولار، في مؤشر على مستوى الخراب الذي خلّفته آلة الحرب الإسرائيلية على مساحة جغرافية صغيرة ومحاصرة.
المتظاهرون في لندن رفعوا لافتات تستحضر هذه الأرقام، مؤكدين أن استمرار تسليح الاحتلال بعد هذه الحصيلة من القتل والدمار لا يمكن وصفه إلا بأنه مشاركة مباشرة في الجريمة.
فالقنابل التي تسقط على غزة لا تهبط من السماء وحدها، بل تمر أولًا عبر مصانع وموانئ وبنوك وشركات تأمين، كثير منها موجود في دول تدّعي الدفاع عن "النظام الدولي القائم على القواعد".
مسؤولية بريطانية ثقيلة: من الشارع إلى قاعات المحاكم والمنظمات الدولية
المسيرة الأخيرة في لندن ليست حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاحتجاجات التي شهدتها المملكة المتحدة منذ اندلاع الحرب على غزة، حيث خرج مئات الآلاف في تظاهرات متكررة تطالب بوقف إطلاق النار ووقف تصدير السلاح لإسرائيل، وتدين موقف الحكومة المحافظة وحزب العمال من الصراع.
لكن ما يميز هذه المسيرة تحديدًا هو أنها تركزت حول نقطة قانونية وأخلاقية واضحة: استمرار بريطانيا في بيع السلاح لدولة متهمّة بارتكاب جرائم إبادة وجرائم حرب، رغم الكم الهائل من الأدلة التي وثقتها منظمات الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية.
المتظاهرون شددوا على أن تراخيص تصدير السلاح ليست قرارًا تقنيًا، بل قرار سياسي يحدد ما إذا كانت لندن ستقف مع القانون الدولي أم فوقه.
الشارع البريطاني المعترض يجد سندًا متزايدًا في الأصوات القانونية والأكاديمية التي تحذر من أن استمرار هذه الصادرات يعرّض بريطانيا لاحقًا لمسؤولية قانونية دولية، بموجب مبدأ "المساعدة والتحريض" على جرائم الحرب.
بعض منظمات المجتمع المدني بدأ بالفعل في دراسة خيارات رفع دعاوى قضائية ضد الحكومة، على غرار ما حدث في دول أوروبية أخرى أوقفت أو علّقت بعض تراخيص السلاح لإسرائيل تحت ضغط قانوني وشعبي متزايد.
في المقابل، تواصل الحكومة البريطانية التمسك بخطاب "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، متجاهلة أن هذا الخطاب فقد أي محتوى قانوني أو أخلاقي بعد عامين من القصف الشامل والحصار والتجويع، وبعد أن تحولت غزة إلى مدينة أشباح مدمرة ومخيّم مفتوح للناجين من الحرب.
هذا العناد الرسمي هو ما يدفع الشارع إلى التصعيد: من المسيرات المليونية، إلى الاعتصامات أمام مقار الشركات المتعاملة مع الجيش الإسرائيلي، إلى الضغط على النواب والمرشحين في دوائرهم الانتخابية.
في النهاية، رسالة المتظاهرين في لندن كانت حاسمة: ما دامت إسرائيل تواصل خرق وقف إطلاق النار، وتستمر في قتل الفلسطينيين تحت سمع وبصر العالم، فإن كل رصاصة أو قنبلة تغادر المصانع البريطانية إلى ترسانة الاحتلال هي شراكة مباشرة في الجريمة.
وبينما يحصي أهل غزة شهداءهم وجرحاهم وخراب بيوتهم، يحاول هؤلاء المتظاهرون أن يضعوا الحكومة البريطانية أمام مرآة الحقيقة: إما أن تقطع سلاحها عن يد القاتل، أو تتحمل هي نفسها وزر الدم المسفوك في شوارع غزة المدمرة.

