في تطور أمني خطير يعكس تصعيدًا نوعيًا في أساليب الاستهداف، أعلنت وزارة الداخلية في قطاع غزة استشهاد مدير مباحث الشرطة في خان يونس، المقدم محمود الأسطل (40 عامًا)، إثر تعرضه لإطلاق نار مباشر من سيارة لاذت بالفرار، في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس جنوب القطاع.
العملية التي وُصفت رسميًا بأنها اغتيال مدبّر، أعادت إلى الواجهة ملف الاغتيالات غير المباشرة التي ينفذها الاحتلال عبر شبكات من المتعاونين داخل القطاع، في محاولة لضرب العمق الأمني وزعزعة الاستقرار الداخلي.
وزارة الداخلية أوضحت في بيان مقتضب أن عملية الاغتيال نُفذت “على يد عملاء للاحتلال”، مؤكدة أن الأجهزة الأمنية المختصة باشرت فور وقوع الحادث تحقيقًا شاملًا، وأنها تعمل على تعقب المنفذين وكشف كامل ملابسات الجريمة، وصولًا إلى محاسبة جميع المتورطين دون استثناء.
ورغم خطورة الحدث، امتنعت الوزارة عن الكشف عن تفاصيل إضافية تتعلق بهوية المنفذين أو نوع السلاح المستخدم، مكتفية بالتأكيد على أن التحقيقات لا تزال جارية، وأن الإعلان عن النتائج سيتم في الوقت المناسب.
تفاصيل عملية الاغتيال ودلالاتها الأمنية
بحسب المعلومات الرسمية، وقع الاغتيال في منطقة المواصي غرب خان يونس، وهي منطقة مفتوحة نسبيًا وتضم تجمعات سكنية، ما يعكس جرأة المنفذين واعتمادهم على عنصر المفاجأة والانسحاب السريع.
إطلاق النار تم من سيارة متحركة، قبل أن يفر الجناة من المكان، في أسلوب يوحي بتخطيط مسبق ومعرفة دقيقة بتحركات المستهدف، وهو ما يعزز رواية تورط شبكات متعاونة تمتلك معلومات ميدانية حساسة.
المقدم محمود الأسطل يُعد من الكوادر الأمنية البارزة في جهاز الشرطة، وتوليه منصب مدير مباحث خان يونس يضعه في صلب العمل الأمني المرتبط بمكافحة الجريمة وحماية الجبهة الداخلية.
استهدافه بهذا الشكل لا يُنظر إليه كحادث معزول، بل كرسالة أمنية متعددة الاتجاهات، تهدف إلى بث الخوف داخل صفوف الأجهزة الأمنية، وإظهار قدرة الاحتلال على الوصول إلى قيادات ميدانية دون الحاجة إلى عمليات عسكرية علنية.
خبراء أمنيون يرون أن اختيار التوقيت والمكان يعكس محاولة لاستثمار الظروف الميدانية المعقدة التي يعيشها القطاع، والسعي لإحداث اختراق نفسي قبل أن يكون ميدانيًا، عبر اغتيال شخصية أمنية معروفة في محيطها الجغرافي.
نمط متكرر لعمليات التصفية عبر متعاونين
اغتيال الأسطل يأتي بعد نحو شهر واحد فقط من استشهاد الضابط أحمد زمزم، أحد منتسبي وزارة الداخلية في غزة، الذي اغتيل في 14 ديسمبر الماضي بإطلاق نار في مخيم المغازي وسط القطاع.
حينها، أعلنت وزارة الداخلية أن التحقيقات أثبتت تورط متعاونين مع إسرائيل في تنفيذ العملية، معتبرة ذلك دليلًا واضحًا على استمرار الاحتلال في الاعتماد على شبكات عملاء داخلية لتنفيذ عمليات تصفية مباشرة، بعيدًا عن الضربات العسكرية المكشوفة.
هذا النمط المتكرر من الاغتيالات يعكس تحولًا ملحوظًا في أدوات الاستهداف، حيث يسعى الاحتلال إلى تقليل كلفة المواجهة المباشرة، مقابل تفعيل أدوات استخبارية داخلية، تعتمد على الرصد والمتابعة وتوفير المعلومات الدقيقة عن الأهداف.
كما أن الاعتماد على متعاونين يمنح الاحتلال هامش إنكار سياسي وإعلامي، ويصعّب مهمة الرد المباشر، ما يفرض تحديات إضافية على المنظومة الأمنية في القطاع.
خبراء في الشأن الأمني يؤكدون أن هذه العمليات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يستهدف تفكيك الثقة داخل المجتمع، وزرع الشكوك، وإرباك عمل الأجهزة الأمنية، عبر الإيحاء بوجود اختراقات داخلية واسعة.
الاحتلال يراهن على الإرباك الداخلي والأجهزة تتعهد بالرد
تشير مصادر أمنية إلى أن الاحتلال يواصل استهداف البنية الأمنية في قطاع غزة ضمن استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على إنهاك الأجهزة من الداخل، بدل المواجهة العسكرية المباشرة التي تحمل كلفة سياسية وأمنية عالية.
تحريك العملاء لتنفيذ اغتيالات نوعية يُعد، وفق هذه المصادر، محاولة لضرب منظومة الأمن الوقائي، وإرباك الجبهة الداخلية، وإشغال الأجهزة الأمنية بملفات داخلية معقدة.
في المقابل، تؤكد وزارة الداخلية أن هذه العمليات لن تثني أجهزتها عن أداء مهامها، ولن تؤثر على جاهزيتها أو قدرتها على حفظ الأمن والاستقرار.
وشددت الوزارة على أن ملاحقة المتورطين ستستمر، وأن دماء الشهداء لن تذهب هدرًا، في رسالة واضحة بأن سياسة الاغتيالات لن تحقق أهدافها.
خبراء أمنيون يرون أن المرحلة المقبلة ستشهد تشديدًا في الإجراءات الأمنية، وتعزيزًا لعمليات المتابعة والرصد، إلى جانب تكثيف العمل الاستخباري المضاد، بهدف تفكيك شبكات التعاون، ومنع تكرار مثل هذه العمليات.
وفي ظل استمرار هذا التصعيد، يبقى ملف الاغتيالات الداخلية أحد أخطر التحديات التي تواجه قطاع غزة، لما يحمله من أبعاد أمنية ونفسية واجتماعية، تتجاوز حدود الحدث ذاته، وتمس جوهر معركة الصمود في مواجهة الاحتلال.

