في الوقت الذي يختنق فيه ملايين المصريين تحت وطأة الغلاء، وتآكل الأجور، وانهيار مستوى المعيشة، لا تنشغل حكومة الانقلاب بالبحث عن حلول حقيقية تخفف الكارثة، بل تفتش عن آخر ما تبقَّى للفقراء من “متنفس” لتخنقه.

أسواق الملابس المستعملة – أو “البالة” – التي صارت ملاذًا لملايين العاجزين عن شراء الجديد، تحولت فجأة إلى “عدوّ رسمي” تُشهر في وجهه تهم التهريب، وتدمير الصناعة، وتهديد الصحة العامة، تمهيدًا لإغلاق الباب أمام الفقراء، وفتح السوق على مصراعيه أمام كبار المستوردين وأصحاب المصانع.

 

حرب على الفقراء تحت لافتة “حماية الصناعة”

 

المواطن الذي لم يعد يقدر على أسعار الملابس الجديدة، لم يجد أمامه سوى أسواق “البالة” بحثًا عن قطعة نظيفة بسعر يمكن احتماله.

ومع انفجار الإقبال الشعبي على هذه الأسواق، بدأت السلطة تخنقها خطوة بعد أخرى، بحجة أن هذه التجارة “تهرّب” الملابس وتهدد الصناعة الوطنية.

 

شعبة الملابس الجاهزة باتحاد الصناعات دخلت على الخط، لتقود معركة غير متكافئة لصالح المصانع الكبرى ضد أسواق الفقراء.

الشعبة تزعم أن تجارة “البالة” مخالفة صريحة للقوانين، وأن استيراد الملابس المستعملة ممنوع بسبب “مخاطر اقتصادية وصحية”، وأن غالبية هذه البضائع تدخل عبر التهريب والتحايل على الجمارك، ما يضر بالاقتصاد الوطني والصناعة المحلية.

 

وبلغة الأرقام، تتهم الشعبة تجار “البالة” بأنهم يدخلون شحنات ضخمة تحت مسمى “أغراض شخصية” للمصريين بالخارج، مستفيدين من جمارك لا تتجاوز 2%، بينما تخضع الملابس الجاهزة لجمارك قد تصل إلى 40%.

وبضغط هذه الشكاوى، صدر قرار حكومي جديد خفَّض الحد الأقصى للأغراض الشخصية من 500 كجم إلى 150 كجم سنويًا، في ضربة مباشرة لتجار “البالة” ولأسر كاملة تعيش على هذه التجارة.

 

اللافت أن كل هذا يحدث بينما تتجاهل الحكومة السؤال الأخطر: لماذا يهرب المصري أصلاً إلى “البالة”؟ لأن المنتج المحلي غالٍ على دخله، ولأن المواطن المسحوق لا يهمه شعار “حماية الصناعة” بقدر ما يهمه أن يكسو أسرته دون أن ينهار تحت الديون.

 

فزاعة “الصحة العامة” وذريعة ضرب السوق الشعبي

 

عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية بالقاهرة عن شعبة الملابس الجاهزة، سماح هيكل، تحاول إعطاء الغطاء “الإنساني” للحملة على البالة؛ فتتحدث عن مخاطر صحية، وبكتيريا، وفطريات، وأمراض جلدية، وتؤكد أن جزءًا من هذه الملابس لا يخضع لتعقيم كافٍ، وأن السعر المنخفض يخفي وراءه تهديدًا لصحة المستهلك.

 

لكن هذه التحذيرات تُستخدم كعصا في وجه الفقراء، لا كحرص على سلامتهم. فمن الواضح أن المستهدَف ليس “شحنة ملابس ملوثة” بعينها، بل الظاهرة كلها؛ سوق شعبي يناسب محدودي الدخل، ويكسر احتكار الأسعار الجنونية في المحلات الكبرى.

 

سماح هيكل تحذر أيضًا من أن “البالة” تضر بالمنتج المحلي، وتخلق منافسة غير عادلة تؤدي إلى تراجع مبيعات المصانع، وتقليل الإنتاج، وربما إغلاق بعض المصانع وفقدان فرص عمل.

 

لكن أحدًا لا يسأل:

 

  • من الذي دمّر القوة الشرائية للمصريين حتى أصبحوا غير قادرين على شراء المنتج المحلي؟
  • ولماذا لا تتجه المصانع لتخفيض هامش الربح وتحسين الجودة بدل مطالبة الدولة بسحق سوق الفقراء؟

 

أما عن طرق دخول “البالة” إلى مصر، فتتحدث هيكل عن مسارين:

 

  • مسار قانوني محدود عبر مؤسسات خيرية بغرض التبرع، تحذّر من تسربه إلى السوق.
  • ومسار غير قانوني عبر التهريب، تطالب بتشديد الرقابة عليه وتشديد العقوبات.

 

وفي النهاية تقدّم “الوصفة” المعتادة: تضييق صارم على استيراد البالة، تشديد على المنافذ الحدودية، مع شوية كلام عن “دعم المنتج المحلي” و”توعية المستهلك بأهمية شراء المصري”. النتيجة الواقعية الوحيدة لمثل هذا التوجه هي خنق سوق البالة، وترك الفقير بين خيارين أحلاهما مرّ: إما أسعار لا يطيقها، أو عراء.

 

صوت الشارع: البالة حق للفقراء وليست جريمة

 

على الجانب الآخر، يقف باعة “البالة” في مواجهة ماكينة الاتهامات الحكومية والإعلامية. أحد الباعة يلخّص المشهد ببساطة: هذه الملابس “بواقي تصدير” مستوردة من دول متعددة، نظيفة، يجرى فرزها وكيّها وتعليقها بعناية، ويُنصح الزبون بغسلها قبل الاستخدام مثل أي ملابس أخرى.

 

من وجهة نظره، هذه التجارة ليست تهريبًا ولا جريمة، بل استجابة طبيعية لواقع اقتصادي مختل؛ فالناس تبحث عن “سعر مناسب وجودة مقبولة”، وسوق البالة يلبّي هذه المعادلة في وقت عجز فيه المنتج المحلي عن مجاراة دخول المواطنين المنهارة.

 

البائع يؤكد أن لكل سوق زبائنه: من يستطيع شراء الجديد سيذهب للمحلات، ومن لا يستطيع يجد في “البالة” فرصة للستر بميزانية محدودة. «نحن لا نوقف حال أحد» كما يقول، بل نملأ فراغًا خلقته السياسات الاقتصادية الفاشلة.

 

الإقبال المتزايد على البالة ليس “مؤامرة على الصناعة الوطنية”، بل استفتاء شعبي على فشل الدولة في ضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية. إنه تعبير عن وعي المستهلك الذي يحاول التوفيق بين حاجته للملبس، ورغبته في الحفاظ على قدر من الذوق والعلامة التجارية، دون أن ينهار تحت ديون الكريدت كارد والأقساط.

 

في النهاية، ما يجري ليس “معركة مع تهريب” بقدر ما هو حلقة جديدة في سلسلة التضييق على الفقراء. بدل أن تعترف السلطة بأن المصري يلجأ للبالة هربًا من نار الأسعار، تختار الطريق الأسهل: ضرب السوق الشعبي، خدمة لكبار المستوردين وأصحاب المصانع، وترك المواطن وحيدًا أمام موجات الغلاء بلا حماية ولا بديل.