لم تعد حرب السودان مجرد أخبار عن قصف ونزوح وجوع؛ فالمقابر الجماعية التي كُشف عنها مؤخرًا في قلب العاصمة الخرطوم فتحت بابًا أكثر ظلامًا في هذا الصراع الدموي. آلاف الجثث دُفنت على عجل قرب مقارّ احتجاز تابعة لقوات «الدعم السريع»، في مناطق سكنية وحيوية من المدينة، عاش أهلها سنوات لا يعرفون أن تحت أقدامهم مقابر لمدنيين وعسكريين عُذبوا حتى الموت. وبين صمتٍ طويل، وتأخرٍ في فتح المقابر، ومحاولة رسم “مسار للمحاسبة”، يبقى السؤال جوهريًا: هل تُصبح هذه الجثامين بداية طريق نحو العدالة، أم تُدفن مرة أخرى تحت ركام المزايدات السياسية والحرب المستمرة؟

 

سجون في قلب الخرطوم.. وموت يُدفن بالجرافات

 

شهادات السكان والمصادر المحلية تتحدث عن مقبرتين جماعيتين في حي الرياض قرب شارع عبيد ختم، وسط الخرطوم، وهي منطقة كانت لسنوات رمزًا لطبقة وسطى ومدن حديثة، قبل أن تتحول إلى مسرح رعب، حيث سيطرت قوات «الدعم السريع» عليها لما يقارب عامين. في هذه الفترة، تحولت مبانٍ مدنية ومقارّ سابقة إلى سجون سرية ومراكز احتجاز، احتُجز فيها مدنيون وعسكريون، كثيرون منهم لم يخرجوا أحياء.

 

وفق الشهادات، كان المحتجزون يتعرضون للتعذيب المنهجي، حتى الموت في كثير من الحالات، ثم تُنقل جثثهم إلى حفر عميقة حُفرت بواسطة آليات ثقيلة، دُفن فيها العشرات وربما المئات دفعة واحدة، في محاولة لإخفاء آثار الجريمة ومحو أي دليل على ما جرى خلف جدران تلك المقارّ. الأكثر قسوة أن الذين أجبروا على حمل الجثث ودفنها لم يكونوا عناصر مسلحة، بل محتجزين آخرين، وُضعوا أمام خيارين: أن يكونوا حفّاري قبور للضحايا… أو ضحايا لاحقين في المقبرة نفسها.

 

حتى بعد انسحاب «الدعم السريع» من الخرطوم وإعلان الجيش استعادة السيطرة الكاملة على العاصمة في 21 مايو الماضي، ظلّت هذه المقابر مطموسة، إلى أن بدأت فرق التحقيق والنيابة العامة في فتحها، وسط مشاهد صادمة لأحذية ونعال ومقتنيات مبعثرة، تذكّر الجميع بأن هؤلاء لم يكونوا “أرقامًا” في بيانات الحرب، بل أشخاصًا حقيقيين اقتُلِعوا من بيوتهم وأماكن عملهم، وانتهت بهم الرحلة في حفر جماعية لا أسماء عليها.

 

مقابر في المدارس والجامعات.. وخرائط جديدة للرعب في السودان

 

اعتراف النائبة العامة، انتصار أحمد عبد العال، بأن المقابر الجماعية لا تقتصر على الخرطوم وحدها، بل ظهرت أيضًا في ود مدني ومناطق واسعة من وسط السودان، يكشف أن ما جرى في الرياض ليس حالة منفردة، بل جزء من نمط واسع من الانتهاكات. بعض الجثامين، كما قالت، دُفن داخل مدارس وجامعات وأماكن عامة، في دلالة خطيرة على حجم انهيار الحُرُمات: لا حرمة لمبنى تعليمي، ولا لساحة عامة، ولا حتى لأحياء سكنية اعتاد الناس أن يروها آمنة.

 

هذا الانتشار للمقابر يعني أن السودان يواجه، بالإضافة إلى الحرب المفتوحة، ملفًا ثقيلًا من الجرائم ضد الإنسانية:

 

– اعتقال تعسفي واختطاف.

 

– تعذيب ممنهج داخل مراكز احتجاز.

 

– قتل خارج نطاق القانون.

 

– دفن جماعي في أماكن غير مخصصة للدفن، دون توثيق ولا هوية.

 

الجهات السودانية الرسمية تتحدث عن تنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ودورات تدريبية حول آليات التعامل مع المقابر الجماعية، ونقل الجثامين إلى مقابر نظامية، وهذا في حد ذاته خطوة تقنية ضرورية، لكنها ليست كافية. فالسؤال الأخلاقي والقانوني الأهم ليس فقط: كيف ننقل الجثث من حفرة عشوائية إلى مقبرة نظامية؟ بل: من أوصلهم إلى تلك الحفرة؟ ومن أعطى الأوامر؟ ومن تستّر على ذلك طوال هذه المدة؟

 

كلما طالت الحرب، واتّسعت رقعة المقابر، صار الخطر أكبر بأن تتحول هذه الجرائم إلى وقائع منسية، تُقرَأ فقط في تقارير حقوقية بعد سنوات. والتحدي الحقيقي للسودان – دولة ومجتمعًا – هو أن يمنع هذا المصير، وأن يُحوّل هذه المقابر إلى ملفات اتهام لا إلى مجرد “أدلة جنائية” تُحفظ في الأدراج.

 

بين تحقيقات البرهان ومصير العدالة: هل يُحاسَب «الدعم السريع» فعلًا؟

 

النائبة العامة لا تتحدث فقط بصفتها مسؤولة قضائية، بل أيضًا كرئيسة للجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات الحرب وجرائم قوات «الدعم السريع»، وهي لجنة تشكلت بقرار من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في أغسطس 2023. على الورق، يبدو هذا مسارًا نحو المحاسبة: لجنة تحقيق وطنية، تعاون مع الصليب الأحمر، تصريحات عن توثيق الجرائم ونقل الجثامين، تمهيدًا لتقديم المسؤولين للعدالة.

 

لكن على الأرض، توجد عدة مخاطر:

 

أولًا، أن تتحول اللجنة إلى أداة سياسية بيد طرف من أطراف الحرب، تُستخدم حصريًا لتجريم «الدعم السريع» وتبييض سجل الجيش والقوات المتحالفة معه، رغم ورود تقارير وشهادات عن انتهاكات جسيمة ارتُكبت من الطرفين في مناطق مختلفة من السودان.

 

ثانيًا، أن يُختزل ملف المقابر الجماعية في “محاكمات شكلية” لبعض العناصر الميدانية، دون الاقتراب من سلسلة القيادة ومن أعطوا الأوامر وخططوا وأداروا سياسة السجون السرية والدفن الجماعي، سواء في الخرطوم أو غيرها.

 

ثالثًا، أن تضيع فرصة دولية تاريخية لتوثيق هذه الجرائم ضمن إطار قانوني يفتح الباب لاحقًا أمام عدالة عابرة للحدود، إذا عجز النظام القضائي الوطني عن القيام بدوره كما يجب، سواء بسبب الضغوط السياسية أو استمرار الحرب.

 

في النهاية، المقابر الجماعية في الخرطوم ليست فقط شاهدًا على وحشية «الدعم السريع»، بل أيضًا امتحانًا لسودانٍ يتأرجح بين أن يكون دولة تسعى، رغم النزيف، إلى بناء مسار للعدالة، أو أن يتحول إلى ساحة أخرى من ساحات الإفلات من العقاب في المنطقة. الجثث التي تُنتشَل الآن من الحفر لا تحتاج فقط إلى شواهد قبور، بل إلى شهود حق، وإلى قضاء لا يخضع للسلاح، وإلى ذاكرة لا تقبل أن يُطوى هذا الملف تحت عنوان “تداعيات الحرب” وكأنه قدر لا يُسأل أحد عنه.