تشهد الأسواق الزراعية في عدد كبير من المحافظات موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار المبيدات الزراعية، وعلى رأسها مبيدات حشائش القمح، في تطور يثير قلقًا واسعًا بين المزارعين وخبراء الزراعة، ويطرح تساؤلات خطيرة حول مستقبل محصول القمح، باعتباره أحد أعمدة الأمن الغذائي في البلاد.
فقد قفز سعر لتر مبيد الجليفوسات من نحو 200 جنيه خلال الصيف الماضي إلى ما يقارب 500 جنيه حاليًا، في زيادة صادمة تجاوزت 150% خلال أقل من عام، وسط غياب أي إجراءات فعالة لضبط السوق أو تخفيف العبء عن الفلاحين.
هذه القفزة الحادة لا تأتي بمعزل عن سياق اقتصادي ضاغط، بل تتزامن مع ارتفاعات متتالية في أسعار الأسمدة الكيماوية، والوقود، وأجور العمالة، وباقي مدخلات الإنتاج الزراعي، لتضع صغار المزارعين أمام معادلة قاسية: إما الاستدانة لمواصلة الزراعة بتكاليف تفوق قدرتهم على السداد، أو تقليص المساحات المزروعة، وربما العزوف الكامل عن زراعة القمح، المحصول الاستراتيجي الذي تعتمد عليه الدولة في توفير رغيف الخبز المدعوم لملايين المواطنين.
مبيدات القمح.. قفزة سعرية تضرب قلب الموسم الشتوي
تمثل مبيدات الحشائش أحد أهم عناصر نجاح زراعة القمح، إذ تؤثر مباشرة في حجم الإنتاج وجودته. ومع تضاعف أسعار هذه المبيدات، بات الفدان الواحد يتحمل أعباء إضافية لم تكن محسوبة في بداية الموسم، خاصة في ظل تأخر إعلان أسعار توريد القمح من جانب الحكومة، وهو ما يربك حسابات الفلاح ويجعله يزرع دون رؤية واضحة للعائد المتوقع.
ويرجع خبراء زراعيون هذه الزيادات الحادة إلى عدة عوامل متشابكة، أبرزها ربط أسعار المبيدات بسعر الدولار في السوق الحرة، والاعتماد شبه الكامل على الاستيراد أو على مواد خام مستوردة، فضلًا عن غياب سياسة دعم حقيقية لمدخلات الإنتاج الزراعي، رغم التصريحات الرسمية المتكررة عن أهمية تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الغذائي.
الفلاح الحلقة الأضعف.. ديون تتراكم وأرض تُترك بورًا
في القرى والنجوع، تتجسد الأزمة بشكل أكثر قسوة. فالمزارع الذي يمتلك فدانين أو ثلاثة من القمح يجد نفسه عاجزًا عن تحمل تكلفة المبيدات والأسمدة معًا. وإذا قرر تقليل استخدام المبيد، تتغول الحشائش على المحصول، وينخفض الإنتاج بشكل حاد. أما إذا لجأ للشراء الكامل من السوق، فإنه يغامر بالدخول في دوامة ديون قد تمتد لسنوات.
ويؤكد عدد من المزارعين أن استمرار هذا الوضع يدفع كثيرين إلى التفكير في التحول إلى محاصيل أقل تكلفة، أو حتى ترك الأرض دون زراعة، بينما يختار آخرون بيع أراضيهم للبناء، في خسارة مضاعفة للرقعة الزراعية ولمستقبل القمح المحلي.
سوق بلا رقابة.. غلاء وفوضى وجودة متدهورة
لا تقتصر الأزمة على ارتفاع الأسعار فحسب، بل تمتد إلى تراجع جودة المبيدات المتداولة في الأسواق. ويحذر خبراء، من بينهم الخبير الزراعي صبحي أبو ليلة، من أن الغلاء الحالي فتح الباب واسعًا أمام انتشار المبيدات المغشوشة أو غير المطابقة للمواصفات، مستفيدة من ضعف الرقابة وغياب الدور الفعلي للأجهزة المعنية.
وتحمل هذه الظاهرة مخاطر جسيمة، إذ يؤدي استخدام مبيدات ضعيفة أو مغشوشة إلى فشل مكافحة الحشائش، أو تلف المحصول بالكامل، فضلًا عن الإضرار بالتربة على المدى الطويل، وتراكم متبقيات كيماوية قد تنتقل إلى الغذاء والمياه، بما يهدد صحة الإنسان والبيئة معًا.
أزمة الأسمدة.. الوجه الآخر للكارثة
بالتوازي مع أزمة المبيدات، يعاني المزارعون من نقص حاد في الأسمدة الكيماوية، خاصة نترات النشادر واليوريا، داخل الجمعيات الزراعية وجهات الصرف المعتمدة. ويشكو مزارعون في عدة محافظات من تأخر صرف حصصهم المقررة، ما يضطرهم إلى اللجوء للسوق السوداء، حيث تباع الأسمدة بأسعار تصل إلى ثلاثة أضعاف قيمتها الرسمية.
ويؤكد المتضررون أن هذا الوضع يستنزف أي هامش ربح متبقٍ، ويحوّل الزراعة إلى مغامرة خاسرة، في وقت ترتفع فيه تكاليف الري والوقود والنقل، دون أن يقابل ذلك أي زيادة عادلة في أسعار توريد المحاصيل.

