في الجناين – أبو عارف بمحافظة السويس، لا يدور الحديث عن “مشروع قومي” فقط، بل عن كارثة إنسانية مكتملة الأركان اسمها معبر 21.

 

في منتصف مسار الطريق المقرر تنفيذه، تقف كتلة سكنية تضم 30 عمارة يعيش فيها أكثر من 140 أسرة وما يزيد على ألف مواطن، مهددين حرفيًا بأن تتحول بيوتهم إلى أنقاض، رغم وجود مسار بديل بسيط في منتصف الطريق لا يغيّر خط المعبر الأساسي، ويحقق السيولة المرورية نفسها، ويقلل تكلفة التنفيذ، ويحفظ استقرار مئات البشر. ورغم محاضر التنسيق والدراسات المرورية التي أُعدّت لتفادي البيوت، اختارت الدولة كعادتها الطريق الأسهل: الهدم أولًا… ثم ليبحث الناس عن مأوى إن وجدوا.

 

معبر 21: طريق “تطوير” يمر فوق 30 عمارة و1000 روح

 

الفيديوهات المتداولة من قلب منطقة أبو عارف تكشف التسلسل الكامل لقرارات معبر 21: من لحظة صدور القرار، مرورًا بتعديلاته، وصولًا إلى الوضع الكارثي الحالي، حيث أصبح منتصف مسار المعبر يمر مباشرة عبر كتلة سكنية قائمة، لا عبر أرض فضاء أو حرم طريق كما يروّج المسؤولون. الأهالي يشرحون بوضوح أن هناك 30 عمارة مأهولة بالسكان، تضم أكثر من 140 أسرة: أطفال في المدارس، كبار سن، مرضى، وذوو إعاقة، يواجهون جميعًا مصيرًا واحدًا اسمه التشريد.

 

https://www.facebook.com/groups/136879376428971/posts/25628913956798829/

 

هذه ليست عشوائيات مبنية الليلة الماضية، بل بيوت قائمة منذ سنوات، ولها مرافق رسمية ومحاضر تنسيق ووضع ظاهر على الخرائط. ومع ذلك، تم التعامل مع هذه الكتلة السكنية كما لو كانت “إعاقة هندسية” في مسار طريق، لا مجتمعًا بشريًا له جذور وأسماء ووجوه. الأخطر أن الأهالي يشيرون إلى وجود دراسات مرورية ومحاضر تنسيق بين الجهات المختصة، وضعت بالفعل تصورًا لتفادي البيوت، لكن أحدًا لم يلتفت لها عند التنفيذ، وكأن المطلوب هو إنجاز الطريق بأي ثمن، ولو كان الثمن تدمير حياة مئات البشر.

 

اللغة الرسمية المعتادة تتحدث عن “تطوير”، و“فتح شرايين مرورية”، بينما الحقيقة على الأرض أن شريان المعبر الجديد يهدد بقطع شرايين حياة كاملة: من يستيقظ اليوم على خبر هدم بيته، لن يعنيه كثيرًا أن الطريق أصبح أوسع أو أسرع أو أكثر “محورية”.

 

البديل موجود.. لكن الدولة تختار القسوة الأغلى بدل الحل الأرخص والأعدل

 

جوهر استغاثة أهالي معبر 21 أن هناك حلًا بديلًا واضحًا وبسيطًا: تعديل جزء من منتصف مسار الطريق بحيث ينحرف قليلًا لتفادي كتلة البيوت، ثم يعود إلى خطه الأساسي في الاتجاه نفسه. هذا التعديل – بحسب ما يوضح الأهالي – لا يغيّر الرقم ولا مسار المعبر الاستراتيجي، ولا يعطل السيولة المرورية، بل على العكس يقلل تكلفة التنفيذ على الدولة، لأنه يتفادى التعويضات الباهظة والهدم وإعادة التسكين، ويحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار الاجتماعي والأمني في المنطقة.

 

https://www.facebook.com/groups/297870328084237/posts/1573891153815475/

 

ورغم ذلك، لم يتم الأخذ بهذا البديل، ولم تفسر أي جهة رسمية لماذا تصر على مسار يدهس بيوت الناس، بينما بوسعها أن تحقق الهدف نفسه دون تدمير مجتمع كامل. هذا الإصرار يطرح سؤالًا قاسيًا: هل نحن أمام مجرد تعنت إداري واستهتار بحياة المواطنين، أم أن هناك مصالح خفية تتعلق بأراضٍ وتخطيطات واستثمارات مستقبلية تجعل بقاء هذه الأسر في المكان “غير مرغوب فيه”؟

 

الأهالي يؤكدون في كل استغاثة أنهم “ليسوا ضد التطوير أو المشروعات القومية”، وأنهم “في خندق واحد مع الدولة والجيش”، وأن مطلبهم الوحيد هو تعديل جزئي في منتصف المعبر يحقق المصلحة العامة دون ظلم. لكن ما تكشفه الوقائع أن الدولة التي تُصرّ على ترديد خطاب “نحن مع المواطن” ترفض حتى أن تنتبه لصوت هذا المواطن، أو أن تكلّف نفسها مشقة مراجعة مسار في بضعة مئات من الأمتار، مقابل إنقاذ 140 أسرة من الضياع.

 

140 أسرة ليست هامشًا على خريطة طريق.. بل اختبار حقيقي لإنسانية القرار

 

الاستغاثات المكتوبة والمصورة الصادرة عن أهالي الجناين – أبو عارف ترسم صورة مؤلمة: أم شهيد قدمت ابنها في حرب الجيش، تقف اليوم أمام الكاميرا ترجّو فقط ألا تُرمى في الشارع؛ مسنّ يبكي خوفًا من أن يقضي ما تبقى من عمره مشردًا؛ مرضى وذوو إعاقة لا يحتملون فكرة فقدان السكن والاستقرار. هذه ليست “أرقامًا” في تقرير، بل وجوه حقيقية يدّعي النظام صباح مساء أنه يحكم من أجلها.

 

https://www.facebook.com/groups/136879376428971/posts/25609756972047861/

 

اللافت أن بعض النواب – مثل النائب الذي ظهر في أحد الفيديوهات يعاين موقع المعبر ويستمع للأهالي – تحركوا بعد ضغط الاستغاثات، وتعهدوا بمحاولة نقل الصورة للمسؤولين. لكن التجربة المصرية تقول إن هذه التحركات كثيرًا ما تتحول إلى مجرد “لقطات تعاطف” على فيسبوك، ثم تنتهي عند باب مكتب محافظ أو وزارة، بينما تستمر الجرافات في عملها كأن شيئًا لم يكن.

 

هنا تصبح قضية معبر 21 اختبارًا حقيقيًا: إذا كانت الدولة جادة فعلًا في شعارات “العدالة الاجتماعية” و“الإنسان قبل الحجر”، فليس هناك ملف أوضح لتثبت فيه ذلك من ملف 140 أسرة يمكن إنقاذهم بقرار فني بسيط، دون خسارة جنيه واحد من عائد الطريق، ودون تعطيل مشروع قومي. أما إذا استمر التجاهل، ومضت الجرافات في هدم 30 عمارة مكتظة بالبشر، مع تجاهل البديل الأرخص والأعدل، فسيظل شعار “حماية المواطن” مجرد لافتة جوفاء تُرفع على مداخل المدن الجديدة بينما تُسحق في الظل قرى بأكملها باسم “التطوير”.

 

الأهالي قالوها بصوت واضح: “نقف مع الدولة والجيش في خندق واحد، ومطلبنا تعديل جزئي فقط يحقق المصلحة العامة بدون ظلم”. السؤال الآن: هل تقف الدولة معهم ولو مرة واحدة في الخندق نفسه، أم تتركهم وحدهم في مواجهة بلدوزر لا يرى فيهم إلا عقبة إسمنتية في طريق معبر جديد؟