أشعل حفل زفاف الرائد حسين السيسي، نجل فاطمة شقيقة قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، موجة غضب وسخرية عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تداول صور وتصريحات لمصمم الأزياء محمد إسماعيل وهو يفاخر بقوله: “تشرفت اليوم بتصميم فستان زفاف عروس الرائد حسين السيسي، ابن أخت سيادة رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي”.

 

في بلد تُسحق فيه الطبقة الوسطى تحت ضرائب لا تنتهي، ويُطلب من الناس كل يوم “شدّ الحزام” باسم الظروف الاقتصادية و“الجمهورية الجديدة”، جاء هذا العرس العائلي الفاخر كعدسة مقرّبة تكشف الفجوة الهائلة بين خطاب التقشف أمام الجماهير، وحياة البذخ والمحاباة داخل دائرة العائلة الحاكمة، مزوّدًا هذه المرة بحضور دعوي ناعم ممثل في الداعية مصطفى حسني الذي جلس شاهدًا ومشاركًا في مشهد لا يشبه شيئًا من واقع المصريين.

 

رُتَب على المقاس: حين تصبح المؤسسة العسكرية مزرعة للعائلة

 

من بين التعليقات التي انهالت على خبر الزفاف، برزت تساؤلات لاذعة حول رتبة العريس وسرّ تسارع ترقيات الأقارب داخل مؤسسات يفترض أنها “منضبطة” و“محايدة”. كتب أحد النشطاء، نور، متهكمًا على رتبة “رائد” التي يحملها حسين السيسي: كيف يكون عمر الرائد عادة بين 30 و35 سنة، بينما يبدو الشاب في الصور أقرب إلى منتصف العشرينات، تمامًا كما حدث مع ابن السيسي الذي أصبح لواءً في نهاية الثلاثينات؟ ثم يسأل بمرارة: “هل كده هو بيحترم الجيش ولا عدّل القانون عشان مصلحته زي ما عدّل الدستور؟”

 

 

هذه ليست مجرد نكتة عابرة، بل اتهام مباشر بأن المؤسسة العسكرية تحولت في قمة هرمها إلى مزرعة عائلية للرتب والسلطة، تُفصَّل فيها المسيرات الوظيفية على مقاس أبناء وأصهار وأقارب الحاكم، بينما يقف آلاف الضباط والجنود من خارج الدائرة العائلية في طابور طويل من الانتظار والإحباط. تعليق آخر أكثر فجاجة جاء من حساب أحمد، الذي لخص المشهد بقوله إن ابن الأخت ضابط، وأحد أبناء السيسي في المخابرات العامة، وآخر في الرقابة الإدارية، ثم أضاف ساخرًا: “بس هو رجل بركة ومبيحبش الواسطة والمحسوبية… آمال لو بيحب كان عمل إيه؟”

 

 

أما لويس فاختصر جانبًا رمزيًا لافتًا حين أشار إلى أن ابن أخت السيسي حمل لقب خاله بدل لقب أبيه، في بلد يُفترض أن النسب يحمل اسم الأب:

 

 

كل هذه التفاصيل الصغيرة تصنع صورة كبيرة: مؤسسة يفترض أنها ملك الوطن تحولت إلى لافتة رسمية لسلطة عائلية، فيها الرتبة والاسم وحتى النسب قابلون للتعديل إذا تعلق الأمر بدائرة الحاكم وامتداداتها.

 

“فلوس الشعب في أفراحهم”: زفاف فاخر في زمن الضرائب والجوع

 

على الجانب الاجتماعي، رأى كثيرون في مشاهد الزفاف استهانة صارخة بمشاعر شعب يُطلب منه التضحية إلى ما لا نهاية، بينما لا يتوقف نمط حياة الطبقة الحاكمة عن إرسال رسالة معكوسة تمامًا: نحن فوق كل هذا الألم. كتب محمد بتلقائية موجعة: “قرايب السيسي بس هما اللي بيتجوزوا ومعاهم فلوس الشعب”، في جملة قصيرة تلخص إحساسًا عامًّا بأن ما يُنفق في هذه الدائرة ليس “جهدهم الخاص”، بل فوائد شبكة كاملة من النفوذ والامتيازات والصفقات والرواتب الفلكية التي تُموَّل في النهاية من الضرائب والديون التي يسددها المواطن الغارق في الغلاء.

 

 

سلوى بدورها قرأت المشهد من زاوية الواسطة والاحتقار، معتبرة أن كون العريس “رائد” ليس مفاجأة أصلًا؛ فبحسب تعليقها، في بلد كهذا “مش هيطلع مدني طبعًا”، قبل أن تنفجر في هجاء مباشر للسيسي وسياساته، وترى أن ما يحدث ليس مجرد “واسطة” فردية، بل منظومة كاملة ترى الشعب عبيدًا في خدمة جنرالات يحملون السلاح حينًا، ويحملون مفاتيح الثروة والامتياز دائمًا.

 

 

في بلد تُدهس فيه الطبقة المتوسطة، ويُطلب فيه من الموظف الصغير وصاحب المشروع المتواضع أن يتحمل ضريبة جديدة كل شهر، وأن يقف في طوابير رفع الأسعار والرسوم بلا نهاية، يتحول زفاف واحد في عائلة السيسي إلى مرآة قاسية: هنا مواطنون يعدّون الجنيه قبل الخروج من البيت، وهناك عائلة تحظى بكل شيء: رُتب جاهزة، مؤسسات مفتوحة، قروض ومنح تأتي باسم الشعب وتصبّ في مسارات لا يملك مراقبتها أحد.

 

مصطفى حسني.. حين يبارك الداعية عرس العسكر

 

حضور الداعية مصطفى حسني لحفل الزفاف لم يكن تفصيلاً هامشيًّا في المشهد، بل هو جزء أساسي من رمزية الغضب الشعبي. فالرجل الذي يقدّم نفسه كوجه دعوي “شاب ولطيف وقريب من الناس”، ظهر مبتسمًا وسط عرس عائلة الحاكم التي تتحمل مسؤولية مباشرة عن فقر الملايين وقمع الآلاف. بالنسبة لكثيرين، لم يكن وجوده هناك مجرد مشاركة اجتماعية، بل شهادة تزكية ناعمة لنظام دموي، وامتدادًا لسلسلة طويلة من الدعاة الذين يفضّلون مرافقة السلطان على مناصرة المظلوم.

 

الناس الذين يرون الداعية يجلس بهدوء في حفل زفاف ابن أخت السيسي، هم أنفسهم الذين لم يسمعوه يومًا يرفع صوته دفاعًا عن معتقل مظلوم، أو يصرخ في وجه الظلم والفساد، أو حتى يرفض بوضوح سياسات الإفقار والقمع الممنهجة. هذه الازدواجية هي ما جعل وجوده في الحفل “مستفزًا” بهذا الشكل: دين يُستدعى ليبارك أفراح القصر، بينما يختفي تمامًا حين يتعلق الأمر بدماء الفقراء وحقوق المقهورين.

 

في النهاية، زفاف حسين السيسي لم يكن مجرد مناسبة عائلية مغلقة، بل نصّ سياسي مكتمل: ابن أخت رئيس جاءته الرتبة على طبق من ذهب، أموال لا تُعرف مصادرها تُنفق في قاعات فاخرة، داعية يبتسم أمام الكاميرا، وآلة إعلامية تحاول تمرير المشهد باعتباره “فرحة بسيطة” في بلد مخنوق. في الخلفية، يقف شعب منهك، ينظر إلى الصور من خلف شاشة هاتف، ويزداد يقينًا بأن “الجمهورية الجديدة” التي يتغنون بها ليست جمهوريته، بل جمهورية عائلة تحكم… وشعب يدفع الفاتورة صامتًا، أو ساخرًا، إلى أن يحين وقت الحساب الحقيقي.