تُظهر المعطيات التي نشرها موقع «ميدل إيست آي» البريطاني أن الصراع على النفوذ في القرن الأفريقي واليمن لم يعد مجرد تحركات دبلوماسية أو صفقات سياسية، بل صار يُقرأ من مسار طائرة شحن واحدة.
التقرير الذي أعده الصحفيان سايمون هوبر وأوسكار ريكيه يتتبع رحلة طائرة أنتونوف An-124 تابعة لشركة «ماكسموس» للطيران، سبق ربطها بعمليات نقل أسلحة إلى جماعات مسلحة مدعومة من الإمارات في السودان وليبيا، ليكشف نمطًا مريبًا من الرحلات بين أبوظبي والبحرين وإسرائيل وإثيوبيا، في لحظة إقليمية مشتعلة ومفتوحة على مزيد من الانفجار.
جسر جوي مريب فوق القرن الأفريقي
يوثّق التقرير قيام طائرة الشحن العملاقة برحلات متكررة بين قواعد عسكرية في أبوظبي وقاعدة الشيخ عيسى الجوية في البحرين وقاعدة عوفدا الإسرائيلية في صحراء النقب، قبل أن تتجه إلى قاعدة هرر ميدا الجوية، أهم قواعد سلاح الجو الإثيوبي.
هذه ليست مجرد تحركات لطائرة مدنية عابرة، فالطراز المستخدم من أكبر طائرات النقل العسكري في العالم، وقادر على حمل مدرعات ومروحيات ومعدات ثقيلة، بينما ترتبط الشركة المالكة بسجل سابق في نقل الأسلحة إلى ساحات صراع لصالح حلفاء الإمارات.
هذا النمط من الرحلات يأتي متزامنًا مع تراجع بعض موطئ قدم أبوظبي في المنطقة.
فالإمارات اضطرت إلى الانسحاب من قاعدتها في بوصاصو شمال الصومال بعد قرار الحكومة الصومالية إلغاء الاتفاقيات معها، كما وجدت نفسها في موقف دفاعي بعد عملية عسكرية سعودية أطاحت بالمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم منها في عدن.
بالتوازي، اعترفت إسرائيل بـ«أرض الصومال» التي تمتلك فيها الإمارات قاعدة عسكرية وتدير ميناء بربرة، وسط تكهنات بصفقة تمنح إثيوبيا منفذًا بحريًا عبر بربرة مقابل ترتيبات سياسية وأمنية.
هكذا تبدو الرحلات الجوية كجزء من مشروع أوسع لإعادة انتشار إماراتي في القرن الأفريقي، تحت غطاء «التعاون الاقتصادي» و«تطوير الموانئ»، بينما جوهره الحقيقي تعزيز الحضور العسكري والأمني على خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
السودان… وقود لصراع نفوذ بين أبوظبي والرياض
يتوقف تقرير «ميدل إيست آي» مطولًا عند الحرب السودانية المندلعة منذ أبريل ٢٠٢٣ بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بوصفها واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم اليوم، وفي الوقت نفسه إحدى أهم ساحات الحرب بالوكالة بين قوى إقليمية. فالسعودية، إلى جانب مصر وتركيا، كثفت دعمها للجيش السوداني في محاولة لموازنة النفوذ الإماراتي الذي يُتهم بتسليح قوات الدعم السريع، بينما تنفي أبوظبي رسميًا أي دعم عسكري لها.
مصدر استخباراتي سوداني نقل للموقع أن الدعم السريع اشترت مؤخرًا ما لا يقل عن ست مقاتلات من طراز سوخوي Su-24 وميغ–25، تُفكك وتنقل أجزاؤها على متن طائرات شحن من الإمارات إلى إثيوبيا أو إلى قاعدة الكفرة شرق ليبيا الخاضعة لسيطرة قوات خليفة حفتر. ويربط المصدر هذه الصفقات بعلاقات وثيقة بين صربيا وشركات إماراتية في مجال التسليح، ما يعزز الشبهات حول استخدام الطائرة An-124 وشبيهاتها في نقل أسلحة عالية التأثير إلى أطراف النزاع.
بهذه الصورة، لا تبدو الإمارات مجرد لاعب سياسي في الملف السوداني، بل فاعل مباشر في موازين القوة على الأرض، سواء عبر الدعم المالي أو العسكري، في مواجهة معسكر آخر تقوده الرياض. وبينما تتبادل العواصم الخليجية رسائل المجاملة في العلن، يتحوّل السودان إلى ساحة مكشوفة يُختبر فيها السلاح والتحالف والولاء، وتُدفع فيها فاتورة بشرية واقتصادية مدمرة يدفعها ملايين السودانيين النازحين والجوعى والمحاصرين في مناطق القتال.
إثيوبيا والصومال… موانئ تحت الطلب وهيمنة خليجية متزايدة
يضع التقرير إثيوبيا في قلب الاستراتيجية الإماراتية الجديدة في القرن الأفريقي. مستشار سابق للحكومة الإثيوبية يقول إن رئيس الوزراء آبي أحمد بات يرى مستقبل بلاده مرتبطًا بتحالف وثيق مع الإمارات أكثر من أي طرف آخر، مشيرًا إلى أن أبوظبي أصبحت تملي عمليًا توجهات أديس أبابا تجاه السودان وقوات الدعم السريع وإريتريا خلال العامين الماضيين. ووفق هذا المستشار، فإن آبي أحمد «كاد يشن هجومًا على ميناء عصب الإريتري» بتحريض من أبوظبي، في إطار سعيه المحموم للحصول على منفذ بحري يخرجه من عقدة «الدولة الحبيسة».
في الخلفية، تتصاعد حالة عدم اليقين حول القواعد الإماراتية في بربرة وبوصاصو، بعد قرار الحكومة الصومالية إلغاء اتفاقياتها مع أبوظبي. هذه التطورات دفعت الإمارات – بحسب مصادر تحدثت للموقع – إلى إعادة نشر عناصرها العسكرية في إثيوبيا ومحيطها، لضمان استمرار قدرتها على التأثير في خطوط الملاحة وموازين القوى على البحر الأحمر، بالتوازي مع تنسيق متزايد مع إسرائيل عبر بوابة «أرض الصومال» وميناء بربرة.
المحللة السودانية وخبيرة السياسات خلود خير تلخّص الوضع بأن القرن الأفريقي أصبح «رهينة لما يجري في الرياض وأبوظبي»، مؤكدة أن قرارات عدد من دول المنطقة باتت تُتخذ على أساس التحالف مع هذه العاصمة الخليجية أو تلك، لا على أساس المصلحة الوطنية البحتة. خلال السنوات الخمس الأخيرة ترسخ نمط هيمنة خليجية على القرن الأفريقي، عبر عقود موانئ وقواعد عسكرية وتمويل حكومات هشة وتغذية حروب أهلية متداخلة.
في المحصلة، لا يعود تتبّع حركة طائرة الشحن An-124 مجرد تمرين تقني في مراقبة الطيران، بل يصبح مدخلًا لقراءة مشهد أوسع من إعادة تشكيل الخرائط السياسية والعسكرية في منطقة شديدة الهشاشة. دول مثل السودان وإثيوبيا والصومال تتحول تدريجيًا من كيانات ذات سيادة إلى ساحات نفوذ متنازع عليها، تُستخدم أراضيها وموانئها وأجواؤها كمنصات لمشاريع الآخرين، بينما تظل شعوبها عالقة بين الجوع والحرب والانهيار.

