فجّر الإعلامي عمرو أديب واحدة من أوسع موجات الغضب تجاه قرار فرض رسوم جمركية على الهواتف المحمولة الواردة من الخارج، بعد أن كسر جدار الصمت المعتاد في برنامجه «الحكاية» على «إم بي سي مصر»، وهاجم بعنف ما وصفه بـ«الفضيحة» التي يتعرّض لها المصريون والسياح على بوابات المطارات.
القرار، الذي تحاول الحكومة تبريره كإجراء مالي لضبط السوق أو زيادة الإيرادات، بدا في عيون كثيرين خطوة جديدة في مسلسل "الجباية العمياء" التي تطال كل ما يمكن أن يدرّ جنيهًا إضافيًا على خزينة منهكة، حتى لو جاء ذلك على حساب سمعة البلد وكرامة الداخلين إليه.
عمرو أديب، الذي طالما قُدِّم كصوت داعم لخط السلطة، اختار هذه المرة أن يرفع الكارت الأصفر في وجه الحكومة، مؤكّدًا أن المسألة لم تعد تحتمل، وأن اللعب على أعصاب الناس وصل إلى مستوى خطير سياسيًا واجتماعيًا.
فضيحة على بوابات المطار: ضريبة إذلال لا ضريبة جمرك
في حلقته الأخيرة، روى أديب ما وصله من شكاوى لمصريين وسياح توقفت هواتفهم أو تعرّضوا للتوقيف بسبب أجهزة يحملونها معهم من الخارج، لمجرد أنهم لم يدخلوا في حساباتهم أن دولتهم قررت – فجأة – أن تعامل الهاتف الشخصي كسلعة فاخرة تستحق الجمارك والتحصيل الفوري.
وصف المشهد بأنه «فضيحة» بالمعنى الحرفي، متسائلًا بغضب: لماذا يُعامل الزائر بهذا الشكل؟ ولماذا يُستقبل المصري العائد من الغربة بقرارات تعطيه انطباعًا أن الدولة لا تراه إلا ماكينة أموال متنقلة؟
ما يفضحه هذا القرار ليس فقط عقلية الجباية، بل نظرة احتقار مكتومة للمواطن؛ فبدل أن يشعر الداخل إلى بلده بترحيب واحترام، يجد نفسه في مواجهة موظف يستند إلى قرار غامض ليهدده بالرسوم أو الحجز أو التعطيل، وكأن الهاتف الشخصي جريمة اقتصادية.
المشكلة لا تقف عند المصريين وحدهم؛ فالسائح الذي يدفع ثمن تذكرة وفندق وبرنامج سياحي، ثم يُفاجأ بتعطيل هاتفه أو تهديده برسوم، سيخرج بانطباع واحد: هذه دولة تبحث عن الفكة من جيب الزائر ولو على حساب سمعتها وأمنها السياحي.
صرخة عمرو أديب: حين يشتكي صوت السلطة من سياسات السلطة
اللافت في خطاب أديب لم يكن فقط الاعتراض على القرار، بل نبرة الاعتراف بالإنهاك؛ إذ قال بوضوح إنه صمت طويلًا وتحمل كثيرًا من القرارات الاقتصادية القاسية دون أن يفتح مواجهة حقيقية على الهواء، لكنه يرى أن هذا القرار تجاوز الحد.
جملته: «طبطبوا عليّ بقى.. مبقتش عايز تحسن بكرة، هاتولي الفترة اللي فاتت»، ليست مجرد تعبير شخصي عن الضيق، بل تلخيص لحالة عامة في الشارع؛ مواطن أُرهق بالغلاء، وبالدولار، وبفواتير الخدمات، وبالضرائب غير المباشرة، ثم يُطلب منه أن يتقبّل حتى مصادرة هاتفه أو إرغامه على دفع رسوم لمجرد أنه سافر.
حين يقول أديب إن التراجع عن القرار ليس ضعفًا بل رشادة سياسية، فهو يوجّه ضربة مباشرة إلى عقلية الحكم التي ترى في الاعتراف بالخطأ سقوطًا في الهيبة. الرسالة هنا أخطر مما تبدو:
إذا كان إعلامي محسوب على المعسكر المؤيد يعلن على الهواء أن «السياسة اقتصاد، ولازم نسايس الناس»، فهذا يعني أن صبر الحاضنة المؤيدة نفسها بدأ ينفد، وأن القرارات فقدت ما تبقى لها من غطاء شعبي أو إعلامي.
القرار لم يعد مسألة فنية تخص مصلحة الجمارك أو وزارة المالية، بل تحوّل إلى نقطة اختبار لعلاقة النظام بمجتمعه: هل تصر السلطة على سياسة "أنا لا أتراجع أبدًا"، حتى لو كان القرار فاضحًا وغير قابل للتطبيق عمليًا؟ أم تلتقط التحذير قبل أن يتحول الغضب من شاشات التلفزيون إلى واقع الشارع؟
ضربة للسياحة والاقتصاد… ورسالة خطأ للعالم
في الوقت الذي تعلن فيه الدولة ليل نهار عن رغبتها في جذب السياحة والاستثمار وزيادة حصيلة العملة الصعبة، يأتي قرار مثل هذا ليُرسل إشارة معاكسة تمامًا:
بلد يعاني من أزمة ثقة، بدل أن يسهّل دخول الناس ويبسّط الإجراءات، يقرر أن يضيف طبقة جديدة من التعقيد والإهانة على بوابات الدخول، وكأن الرسالة الخفية هي: «من يدخل يدفع، بأي طريقة».
ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي تكشف أن الرفض لم يعد محصورًا في دوائر معارضة، بل امتد إلى شرائح كانت بعيدة عن السياسة؛ مصريون في الخارج يرون أن الدولة تطاردهم حتى في أمتعتهم، وسياح محتملون سيسمعون قصصًا عن تعطيل هواتف في المطار فيختارون وجهات أخرى أبسط وأكرم.
برلمانيون ومسؤولون سابقون تحركوا بدورهم، مطالبين بإعادة النظر في القرار، والتحذير من أن كل إجراء مالي له كلفة سياسية واجتماعية، لا يجوز تجاهلها في بلد يعيش أصلًا على حافة الانفجار الاقتصادي.
المقترحات التي طُرحت – مثل استثناء الهواتف الشخصية أو وضع ضوابط أكثر مرونة – تعكس إدراكًا متأخرًا بأن القرار خرج عن السيطرة، وأن محاولة تطبيقه بهذا الشكل تفتح الباب أمام فساد وتلاعب وابتزاز على مستوى الموظفين المنفذين قبل أن تزيد شيئًا يذكر في حصيلة الخزانة العامة.
في النهاية، ما كشفه عمرو أديب ليس فقط خلل قرار واحد، بل عطب ذهنية كاملة ترى في المواطن «بئرًا لا ينضب» يمكن أن تُلقى فيه كل أزمات الإدارة والديون وسوء التخطيط. ومع كل قرار من هذا النوع، يتآكل ما تبقّى من ثقة، حتى عند من اعتادوا الدفاع عن السلطة. وحين يبدأ الغضب من داخل إعلام النظام نفسه، فذلك مؤشر على أن سياسة الجباية بلا حدود اصطدمت أخيرًا بحدود الواقع وصبر الناس.

