تعيش اليمن واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا منذ اندلاع الصراع، في ظل تداخل الأزمات الخدمية والأمنية والسياسية، وتصاعد التنافس الإقليمي داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا.
فبين انقطاع مفاجئ للكهرباء في عدن وشبوة، وتوقف دعم صحي حيوي، ومحاولة اغتيال عسكري بارز، وعودة ملف الإخفاء القسري إلى الواجهة، تتكشف صورة قاتمة لواقع يضغط بقوة على كاهل المواطن اليمني ويضع الدولة أمام اختبارات صعبة.
الكهرباء كسلاح نفوذ: إطفاء مفاجئ يربك عدن وشبوة
أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة اليمنية عن إطفاء محطتي الطاقة الشمسية في العاصمة المؤقتة عدن ومحافظة شبوة بشكل مفاجئ، من قبل شركة إماراتية مشغلة، ودون أي تنسيق مسبق. الخطوة، التي وصفتها الوزارة بـ"الإخلال الجسيم بمسؤوليات التشغيل"، تسببت في اضطراب كبير لمنظومة التوليد، خاصة أن المحطتين تمثلان ركيزة أساسية لتخفيف الأحمال خلال ساعات النهار.
محطة عدن، التي افتُتحت في يوليو 2024 بقدرة تقارب 120 ميغاواط، كانت تمثل بارقة أمل لسكان مدينة أنهكها الظلام وارتفاع درجات الحرارة.
أما محطة شبوة، التي دخلت الخدمة في أغسطس 2025 بقدرة 53 ميغاواط، فقد ساهمت في تحسين نسبي للخدمة في محافظة تعاني من تراجع البنية التحتية.
إطفاء المحطتين دون إخطار، ودون تقديم مبررات فنية واضحة، أعاد ملف الكهرباء إلى مربع التجاذبات السياسية، وأثار تساؤلات حول استخدام الخدمات الأساسية كورقة ضغط.
قطاع صحي على حافة الانهيار: مستشفيات بلا دعم
لم يقتصر الأثر على الكهرباء، بل امتد إلى القطاع الصحي. فبحسب تقارير إعلامية دولية، توقفت المساعدات الإماراتية عن عدد من المستشفيات الحيوية في جنوب اليمن عقب انسحابها من بعض المناطق. مستشفى "الثاني من ديسمبر" كان أحد أبرز المتضررين، إذ أدى إنهاء عقد الشركة الهندية المشغلة إلى مغادرة الطاقم الطبي المتخصص، وترك مئات المرضى في مواجهة مصير مجهول.
في المقابل، سارعت السعودية إلى سد جزء من هذا الفراغ، معلنة عبر برنامج التنمية وإعادة الإعمار لليمن عن حزمة دعم ضخمة تجاوزت 500 مليون دولار، شملت تشغيل مستشفيات، وتمويل مشاريع كهرباء وبنية تحتية، إلى جانب توقيع اتفاقية لتشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء، في محاولة لتثبيت الاستقرار الخدمي وتحسين الأوضاع المعيشية.
عدن تحت الصدمة: محاولة اغتيال تهز المشهد الأمني
أمنيًا، شكّلت محاولة اغتيال قائد الفرقة الثانية في قوات العمالقة، العميد حمدي شكري، في منطقة جعولة شمال عدن، تطورًا بالغ الخطورة. التفجير الذي استهدف موكبه العسكري أسفر عن مقتل خمسة جنود وإصابة ثلاثة آخرين، في هجوم وُصف رسميًا بـ"الإرهابي الغادر"، وحمل رسائل سياسية وأمنية واضحة في توقيت حساس.
الهجوم قوبل بإدانات واسعة محلية ودولية، من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، الذي تعهد بالتصدي الحازم لأي محاولات لزعزعة الاستقرار. وفي أعقاب العملية، عقد مجلس القيادة الرئاسي اجتماعًا طارئًا في الرياض، أكد خلاله المضي في ملاحقة المتورطين، وعدم الاكتفاء ببيانات الشجب.
حالة طوارئ وتشديد أمني
وزارة الداخلية اليمنية أصدرت توجيهات عاجلة برفع مستوى الجاهزية وتعزيز الإجراءات الأمنية، في ظل معلومات عن نوايا لجماعات مسلحة – على رأسها الحوثيون – لاستغلال الوضع وتنفيذ عمليات جديدة. كما أعلنت قوات العمالقة إسقاط طائرات مسيّرة في شبوة، قالت إنها إيرانية الصنع، في مؤشر على تصاعد التهديدات الجوية.
الهجوم تزامن مع خطوات عملية لإخلاء مدينة عدن من المظاهر العسكرية، وإعادة تموضع المعسكرات خارجها، في إطار مساعٍ لإعادة تنظيم المشهد الأمني والعسكري، وهو ما اعتبرته الحكومة أحد دوافع استهداف القيادات العسكرية.
الإخفاء القسري يعود إلى الواجهة
على صعيد حقوق الإنسان، عاد ملف الإخفاء القسري بقوة إلى الواجهة. فقد نظمت رابطة أمهات المختطفين وقفة احتجاجية أمام مكتب النائب العام في عدن، مطالبة بالكشف عن مصير 61 مخفيًا قسرًا، وإغلاق السجون غير القانونية. الرابطة سلّمت مذكرة رسمية، وأكدت حصولها على توجيهات لمتابعة الملف، في ظل اتهامات لقوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي بالوقوف خلف هذه الانتهاكات.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة مع توجيهات رئاسية بحصر وإغلاق جميع السجون غير الشرعية، ومع انحسار نفوذ بعض التشكيلات المسلحة، ما أعاد الأمل لأسر الضحايا في كشف مصير ذويهم.
صراع نفوذ إقليمي ومستقبل غامض
كل هذه التطورات تأتي في سياق صراع نفوذ إقليمي معقد، بين السعودية والإمارات، ينعكس مباشرة على الداخل اليمني. السعودية تواصل تقديم نفسها كداعمة لوحدة اليمن واستقراره، عبر مبادرات سياسية واقتصادية وأمنية، بينما يثير الدور الإماراتي جدلًا واسعًا، سواء في ملف الخدمات أو الانتهاكات الحقوقية أو دعم تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة.
في المحصلة، يقف اليمن اليوم عند مفترق طرق حاسم. فإما أن تنجح الدولة، بدعم إقليمي ودولي متوازن، في توحيد القرار الأمني والعسكري، وتحسين الخدمات، وإنهاء الانتهاكات، أو يستمر نزيف الأزمات، ليبقى المواطن اليمني الخاسر الأكبر في معركة تتجاوز قدرته على الاحتمال.

