على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، لم يكن لقاء قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجرد صورة بروتوكولية عابرة، بل أشبه بجلسة مغلقة لإعادة ترتيب خرائط النفوذ في الإقليم: غزة، سيناء، السودان، وملف ما يسمى بـ«مجلس السلام» الذي يمسك ترامب بمفاتيحه، بينما يتصدر الصهاينة واجهته وقراره، وتتحول الأنظمة العربية إلى ممول ومنفذ.
جلس السيسي محاطًا بوزير خارجيته الانقلابي بدر عبد العاطي ورئيس مخابراته حسن رشاد، في مواجهة وفد أميركي يقوده وزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف؛ أسماء ليست للزينة، بل لعقد صفقات كبرى تُصاغ بعيدًا عن عيون الشعوب.
السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا اللقاء ليس: ماذا قيل في البيانات الرسمية؟ بل: ماذا دُبِّر فعليًّا في الغرف المغلقة؟ وهل ما يُباع اليوم هو مزيد من الأرض والسيادة، تحت عناوين «سلام» و«تنمية» و«استقرار»؟
شراكة استراتيجية أم تبعية مع سبق الإصرار؟
بيان الرئاسة في سلطة الانقلاب تحدث عن «شراكة استراتيجية شاملة» وعن تعاون اقتصادي وتجاري، وكلمات مستهلكة عن «الاستقرار الإقليمي» و«مكافحة الإرهاب». لكن سجِلّ النظام المصري لا يترك مساحة كبيرة للوهم:
- حصار خانق لغزة من بوابة رفح.
- هدم الأنفاق التي كانت شريانًا اقتصاديًا وحياتيًا لسكان القطاع.
- تنسيق أمني عميق مع الاحتلال، وتماهي كامل مع رؤيته الأمنية.
في ضوء هذه الوقائع، تبدو «الشراكة» أقرب إلى توزيع أدوار: واشنطن وتل أبيب تخططان، والقاهرة تنفذ وتتحمل كلفة الغضب الشعبي عربيًا وإسلاميًا.
السيسي، الذي قدّم نفسه منذ اليوم الأول كـ«كارت أمني موثوق» لدى الغرب والكيان الصهيوني، لا يذهب إلى دافوس ليفاوض على حقوق مصر أو على رفع الحصار عن غزة، بل ليؤكد استعداده للعب الدور المطلوب: حراسة الحدود، ضبط سيناء، تأمين أي ترتيبات تخص «اليوم التالي» في القطاع، وتلميع مشروع «مجلس السلام» بوصفه بوابة الإعمار، بينما هو في الحقيقة أداة لوضع غزة تحت وصاية دولية جديدة.
في هذا السياق، يصبح السؤال «هل السيسي شريك أم تابع؟» سؤالاً بلاغيًا؛ فالشريك يملك قدرة على الاعتراض والتعديل، بينما التابع يوقّع حيث يُطلب منه، ثم يكلّف إعلامه بتسويق الصفقة للداخل على أنها انتصار تاريخي.
غزة ومجلس السلام: وصاية دولية على حساب غزة… وسيناء في المرآة الخلفية
أخطر ما في البيان المصري هو الترحيب الكامل بمبادرة ترامب لتشكيل «مجلس السلام»، مع الإشادة بدوره في «وقف الحرب على غزة»، بالتوازي مع الحديث عن «لجنة وطنية فلسطينية لإدارة القطاع». صياغة ناعمة تخفي خلفها مشروعًا أكثر خشونة:
- غزة تُنزَع عمليًا من يد أصحابها لتُدار بقرار دولي تحت إشراف واشنطن وحلفائها.
- الفلسطيني يُحوَّل من صاحب قضية إلى «ملف إنساني» يحتاج إدارة تكنوقراطية وتمويلًا خارجيًا.
- العرب مطالبون بدفع الفاتورة وتمويل الإعمار، بينما يبقى قرار الحرب والسلم والحدود والسلاح في يد الصهاينة وراعيهم الأميركي.
في الخلفية، تقف سيناء كظل ثقيل لا يغيب؛ جغرافيا ملتهبة، حدود ملتصقة بالقطاع، ومسرح سابق لكل سيناريوهات «التوطين» و«المناطق العازلة» و«التبادل السكاني». اليوم، ومع الحديث عن «مجلس سلام» يدير غزة ولجنة فلسطينية تحت سقف هذا المجلس، يصبح السؤال مشروعًا:
- هل ستُستخدم سيناء كـ«مخزن بشري» مؤقت أو دائم لموجات تهجير ناعمة من غزة؟
- هل يفُتح الباب لتواجد أمني أو استخباراتي أجنبي أوسع في عمق سيناء تحت لافتة «حماية الترتيبات الجديدة»؟
المفارقة الفاضحة أن النظام نفسه، وإعلامه، هو من اتهم الرئيس الشهيد محمد مرسي زورًا بالتفريط في سيناء لصالح مشروع «غزة الكبرى»، بينما ما يجري اليوم هو تفكيك تدريجي للسيادة المصرية والفلسطينية معًا تحت شعارات دولية وإنسانية، وبمباركة رسمية من القاهرة.
سد النهضة والسودان ولبنان: ملفات في بازار الابتزاز السياسي
لم يقتصر لقاء السيسي–ترامب على غزة ومجلس السلام. فالرئيس الأميركي أعلن على الهواء استعداد بلاده للوساطة مجددًا في ملف سد النهضة، في قضية تصفها القاهرة بأنها «وجودية».
الوساطة في ذاتها ليست مشكلة، لكن الخطر أن تتحوّل إلى ورقة مساومة:
- تسهيلات في ملف غزة ومجلس السلام،
- أدوار مصرية منضبطة في السودان ولبنان،
- مقابل «ضغط أميركي» محدود على إثيوبيا، أو مجرد وعود بإعادة تحريك المفاوضات.
بهذا المنطق، تتحوّل حقوق مصر المائية من حق تاريخي وقانوني إلى بند من بنود مقايضة سياسية، تُفتح وتُغلق حسب درجة التزام القاهرة بالأدوار المطلوبة منها في غزة وسيناء والسودان.
في الملف السوداني، يتحدث السيسي عن دعم هدنة إنسانية ووقف للاعتداءات، لكن الدور الحقيقي لمصر يجري تكبيله تحت سقف الرؤية الأميركية؛ فلا هي قادرة على فرض حل يحمي حدودها وأمنها القومي فعليًا، ولا هي تملك رفاهية الانفكاك عن «الرؤية الأميركية» لما يجب أن يكون عليه مستقبل الخرطوم.
أما لبنان، فيُعامَل كرقم إضافي في معادلة الضغط على المقاومة ومحور الممانعة، لا كدولة لها خصوصيتها وتعقيداتها.
في قلب كل ذلك، يأتي «مجلس السلام» كعنوان كبير لمرحلة جديدة: واشنطن تقرر، الصهاينة يضعون الشروط الأمنية، العرب يموّلون وينفذون، والنظام المصري يقدّم نفسه نموذجًا لـ«الشريك الموثوق» الذي يسلّم مفاتيح الملفات الإقليمية في مقابل ضمان بقائه على رأس سلطة منزوعة السيادة والإرادة.
في النهاية، لقاء السيسي بترامب في دافوس ليس مشهدًا عابرًا في جدول «المنتدى الاقتصادي»، بل علامة إضافية على نظام اختار أن يكون تابعًا مطيعًا في ترتيب إقليمي قذر، تُدفَع كلفته من دماء غزة وأرض سيناء وحقوق مصر في النيل، بينما يُطل علينا إعلامه ليحدثنا عن «شراكة استراتيجية» و«سلام عادل» لم يرَ منهما الشعب العربي إلا مزيدًا من القهر والنهب والتفريط.

