بينما يحتفي رئيس وزراء السيسي مصطفى مدبولي ومسؤولو هيئة الدواء بما يصفونه بـ«نجاح» سوق الدواء المصري، تكشف الأرقام الرسمية نفسها حجم الفاجعة: 4 مليارات عبوة دواء في 2025 بقيمة 438 مليار جنيه، مقابل 3.5 مليارات عبوة فقط بقيمة 309 مليارات في 2024؛ زيادة لا تتجاوز 12٪ في الكميات، مقابل قفزة سعرية تصل إلى 42٪ في الفاتورة النهائية التي يدفعها المريض.

 

حكومة الانقلاب تتحدث عن «توافر الأدوية» و«أرصدة آمنة»، لكن نقابيين من الصف الأول في نقابات الصيادلة والأطباء يرسمون صورة مختلفة تمامًا: منظومة دواء مختلة، نواقص مزمنة، واتجاه رسمي لتحرير الأسعار يهدد بتحويل الدواء من حق دستوري إلى «سلعة فاخرة» يتساقط المرضى من عتبتها.

 

أرقام الحكومة… نمو في الفواتير لا في صحة المصريين

 

البيانات الصادرة عن مجلس الوزراء وهيئة الدواء تقول إن السوق استهلك نحو 4 مليارات عبوة دواء بقيمة 438 مليار جنيه في 2025، مقابل 3.5 مليارات عبوة بقيمة 309 مليارات في 2024. أي أن عدد العبوات زاد حوالي 12٪ فقط، بينما قفزت القيمة المالية 42٪، وهو ما يعني عمليًا أن المواطن يدفع أكثر بكثير مقابل نفس الكميات تقريبًا.

 

هذه القفزة ترتبط مباشرة بانفلات كلفة الإنتاج وسعر الصرف. نقيب الصيادلة الدكتور محيي عبيد أوضح في تصريحاته عام 2024 أن أزمة الدواء تفجّرت مع قفز سعر الدولار من 31 إلى 48 جنيهًا، ما رفع تكلفة المواد الخام المستوردة بنحو 60٪، ودفع شركات عديدة إلى تقليص الإنتاج أو التوقف عنه، لتظهر أزمة نواقص واسعة في الأسواق، خاصة في أدوية الأمراض المزمنة كالضغط والسكر.

 

بهذه المعطيات، يصبح ما تسميه الحكومة «نموًّا في سوق الدواء» مجرد نمو في حجم الفاتورة التي يدفعها المرضى، وليس تحسنًا في إتاحة العلاج أو جودته. فزيادة المبيعات بالقيمة لا تعني تحسن الصحة العامة، بل تعني غالبًا أن المريض يدفع ثمن التضخم وضعف الجنيه وفشل إدارة ملف الدواء.

 

نقابات الصيادلة تحذر من «أمن دوائي في خطر» ونواقص تُغذّي السوق السوداء

 

قبل سنوات، حذر الدكتور محمد أنسي الشافعي، نقيب صيادلة الإسكندرية، من أن «الأمن القومي الدوائي في خطر» وأن منظومة الدواء تمر «بأصعب لحظاتها» بسبب اختفاء آلاف الأصناف من السوق، بما يتجاوز 3 آلاف مستحضر حيوي، مع تحميل جزء من المسؤولية لفشل الإدارة الرسمية وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الشركات التي توقف الإنتاج أو تقلصه. هذه التحذيرات لم تكن صرخة عابرة، بل تنبؤًا مبكرًا بما نعيشه اليوم من انفلات أسعار وتكرار أزمات النواقص.

 

وفي 2024 و2025، عادت نقابات الصيادلة لتدق الجرس من جديد؛ فشكاوى الصيدليات من تدني الربحية وانتشار السوق السوداء دفعت نقابة صيادلة الإسكندرية، برئاسة الشافعي، لتحريك دعاوى قضائية ضد بعض الشركات بسبب نقص الأدوية ووجود تسعيرتين للسوق، ما يعني أن النظام الرقابي نفسه يسمح بتشوهات خطيرة يدفع ثمنها المريض والصيدلي معًا.

 

من جهة أخرى، تكشف تصريحات الدكتور محيي عبيد أن كثيرًا من الصيدليات باتت شبه فارغة من الأدوية الأساسية، وأن مرضى الضغط والسكر لا يجدون علاجهم ولا حتى بدائله في أحيان كثيرة، نتيجة تداخل نقص المعروض مع ارتفاع الأسعار. وقد ربط عبيد ذلك مباشرة بارتفاع الدولار واعتماد الصناعة الكامل على المواد الخام المستوردة.

 

هذه الشهادات النقابية تنسف خطاب الحكومة عن «توافر كامل» و«سوق قوي»؛ فوجود رصيد ورقي في المخازن لا يعني أن المواطن يجد دواءه، ولا أن السعر في متناول يده. ما يجري عمليًا هو توسيع هامش ربح الشركات والمصانع على حساب مريض يعجز عن شراء روشتته، أو يُدفَع قسرًا إلى أدوية مهربة ومغشوشة في السوق السوداء.

 

أطباء وصيادلة: تحرير أسعار الدواء ينسف الحق في العلاج ويفتح باب زيادات جديدة في 2026

 

في قلب هذا المشهد، يبرز موقف نقابة الأطباء الذي عبّر عنه الدكتور رشوان شعبان، الأمين العام المساعد السابق للنقابة، حين أكد أن سعر الدواء في «زيادة سريعة ومستمرة» وأن هناك اتجاهًا لتحريره بالكامل، وأن النقابة ترفض هذا المسار لأنه يجعل عبء الدواء أكبر بكثير من تكلفة الكشف الطبي نفسها، ويخرج الأسعار من متناول «المواطن البسيط».

 

تحذير شعبان لا يخص لحظة تاريخية قديمة بقدر ما يصف اتجاهًا مستمرًا: كل أزمة في سعر الصرف أو الوقود تُترجم إلى مطالب جديدة من شركات الأدوية برفع الأسعار، بينما يتعامل صانع القرار مع الدواء كأي سلعة «تخضع للعرض والطلب»، متناسيًا أن الدستور المصري ينص على الحق في الصحة والعلاج، وأن الدواء جزء من هذا الحق لا يجوز تركه لقواعد السوق العمياء.

 

على الجانب الصيدلي، لا يخفي الدكتور محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة صيادلة القاهرة، أن استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج يضع الحكومة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تحريك أسعار الدواء مجددًا، أو الدخول في أزمة نواقص حادة تهدد استمرارية الإنتاج. وقد تحدث في مناسبات عدة عن زيادات مرتقبة في الأسعار لتغطية قفزات الدولار من 30 إلى ما يقارب 49 جنيهًا، محذرًا من أن أي تأخير في الحل سيُحمَّل للمريض في النهاية.

 

بهذا المنطق، تبدو زيادة الـ42٪ في 2025 مجرد محطة في طريق أطول من موجات الغلاء؛ فبدون سياسة تسعير عادلة تربط بين التكلفة والقدرة الشرائية للمواطن، وبدون دعم حقيقي لصناعة الدواء المحلية بعيدًا عن الاحتكار، فإن عام 2026 مرشح لمزيد من الارتفاعات، سواء عبر قرارات رسمية أو عبر قفزات غير معلنة في «السوق الموازي» والدواء المهرب.

 

في المحصلة، يكشف خطاب النقابات أن المرضى رهائن بين مطرقة الأسعار وسندان النواقص؛ حكومة تتحدث عن سوق «الأسرع نموًا في الشرق الأوسط»، بينما أطباء وصيادلة يرون منظومة على حافة الانهيار: ديون خارجية تلتهم الموازنة، ودولار يحكم مصير حبة الدواء، وشركات تضغط لتحرير الأسعار، وسلطة تنفيذية تتعامل مع الحق في العلاج كرفاهية يمكن التفاوض عليها.

 

إن كان ثمة معنى حقيقي للأمن القومي، فهو أن لا يُترَك مريض بلا دواء. أما حين تتحول الوصفة الطبية إلى كابوس مالي، وتُقاس «إنجازات» الحكومة بحجم المبيعات لا بعدد المرضى الذين حصلوا على علاجهم، فذلك ليس «عصرًا ذهبيًا للدواء» كما يحب المسؤولون أن يرددوا، بل عصرًا أسود يدفع فيه المصريون صحتهم ثمنًا لفشل السياسات والارتهان لسوق لا يعرف الرحمة.