يعيش أكثر من 30 ألف مواطن في قرية ديمشلت التابعة لمركز دكرنس بالدقهلية أزمة مياه قاسية، بعدما دفعتهم الانقطاعات المتكررة إلى السهر حتى الفجر وحمل الجراكن وشراء المياه يوميا لتأمين أبسط احتياجات أسرهم.
وتفضح معاناة الأهالي فجوة مؤلمة بين ما يدفعونه للدولة وما يحصلون عليه فعليا، إذ تصل فواتير المياه بانتظام إلى بيوت لا تجد ماء للشرب أو الطهي، فيما تتحول الخدمة الأساسية إلى عبء مالي وجسدي يومي.
ومع حلول الليل، لا تنام بيوت كثيرة في ديمشلت، فالساعة الثالثة فجرا تحولت إلى موعد انتظار مألوف، يحمل فيه الأهالي الأواني والجراكن أملا في وصول المياه قبل أن يبدأ يوم جديد من العطش والمعاناة.
وفي المقابل، لا يجد كثير من السكان أمامهم سوى التوجه إلى القرى المجاورة لشراء المياه، في رحلة تتكرر يوميا تحت حرارة الصيف، بينما تتحمل النساء وكبار السن والأسر أعباء نقل كميات تكفي بالكاد احتياجات ساعات محدودة.
ومن داخل أحد البيوت، تصف فايزة علي حياتها خلال الصيف بأنها كابوس متكرر، إذ تقول إن انقطاع المياه يمنع الأسرة من الطبخ وغسل الأواني وتلبية احتياجات الأطفال، بينما يستنزف السهر والبحث عن المياه قدرتهم على الاحتمال.
وتضيف فايزة أن الأسرة تضطر إلى قطع مسافات طويلة من أجل ملء عدة جراكن وخزان صغير، ثم تحاول توزيع الكمية المحدودة طوال اليوم، في وقت تستمر فيه فواتير المياه بالوصول رغم غياب الخدمة.
عطش يبدأ قبل الفجر
ويصف أحمد إبراهيم المشهد بعبارة مباشرة قائلا إن ديمشلت تستغيث، مؤكدا أن القرية التي يتجاوز عدد سكانها 30 ألف نسمة تعاني شبكة متهالكة لم تعد تتحمل احتياجات السكان، بينما لم تحقق الشكاوى المتكررة حلا دائما.
وبينما تتزايد الاستغاثات، يشعر السكان بأن أصواتهم لا تصل إلى من يملك القرار، فقد أرسلوا شكاوى متكررة للجهات المعنية، لكن الصيف يعود كل عام حاملا معه المشهد نفسه من الانقطاع والجراكن والانتظار.
ولأن المياه ضرورة لا يمكن تأجيلها، تضطر الأسر إلى إعادة ترتيب حياتها بالكامل وفقا لمواعيد الانقطاع، فتتأخر أعمال المنزل وتتراكم الأواني والملابس، بينما يصبح الاستحمام والطهي وتنظيف البيوت عمليات تحتاج إلى حساب كل لتر متاح.
ثم إن الأطفال أنفسهم أصبحوا جزءا من الأزمة، إذ تواجه الأسر صعوبة في توفير احتياجاتهم اليومية من مياه الشرب والنظافة، بينما يتحول سؤال بسيط عن كوب ماء أو حمام إلى ضغط جديد على مخزون محدود.
وعلى امتداد القرية، لا تختلف الشكاوى كثيرا، فالمواطنون يتحدثون عن صيف يتكرر فيه الانقطاع عاما بعد عام، بينما تبقى الوعود بإصلاح الشبكة حاضرة في التصريحات وغائبة عن تفاصيل حياتهم اليومية.
ومن جانبه، يقول محمد حسن إن الأهالي سمعوا لسنوات وعودا بتجديد الشبكة، لكن كل صيف يكشف لهم أن تلك الوعود لم تغير واقعهم، وأن أزمة المياه تعود بالقسوة نفسها بمجرد ارتفاع درجات الحرارة.
كما يؤكد حسن أن أكثر ما يثير غضب السكان هو استمرار تحصيل الفواتير، إذ يصل المحصل إلى القرية بصورة منتظمة بينما لا تصل المياه بالانتظام نفسه، ما يجعل الأهالي يشعرون بأنهم يدفعون مقابل خدمة غائبة.
200 جنيه مقابل الماء
وتأخذ الأزمة بعدا أكثر قسوة مع اضطرار بعض الأسر إلى استئجار خزانات وشراء المياه، إذ يقول سامي السيد إن ملء الخزان الواحد قد يكلف نحو 200 جنيه يوميا، وهو مبلغ يضغط بقوة على ميزانيات الأسر.
وإذا استمر الاحتياج لعدة أيام، تتحول تكلفة المياه وحدها إلى مئات الجنيهات فوق الفواتير الشهرية المعتادة، لتجد الأسرة نفسها أمام معادلة قاسية بين شراء احتياجات أساسية أخرى أو توفير المياه اللازمة للشرب والاستخدام المنزلي.
وبحسب سامي السيد، فإن المشهد يثير غضب السكان لأنهم لا يتخيلون أن يعيشوا في عام 2026 وهم يستأجرون خزانات ليتمكنوا من الشرب، بينما يفترض أن تكون المياه خدمة أساسية تصل إلى المنازل.
ولا تتوقف المعاناة عند الجانب المالي، لأن جلب المياه يتطلب وقتا وجهدا ونقلا، وهو ما يضاعف العبء على الأسر التي تضم كبار سن أو أطفالا أو مرضى ولا تستطيع بسهولة حمل الجراكن الثقيلة لمسافات طويلة.
ومن جهة أخرى، يصبح تخزين المياه نفسه مشكلة إضافية، فالكميات التي تصل إلى المنازل محدودة، وتحتاج الأسر إلى توزيعها بحذر بين الشرب والطهي والغسيل والنظافة، بينما لا تعرف متى تستطيع الحصول على كمية جديدة.
وفوق ذلك، يثير الاعتماد على مصادر بديلة للمياه مخاوف لدى الأهالي بشأن الجودة والسلامة، خاصة عندما يكون الخيار الوحيد هو شراء المياه من خارج القرية أو تخزينها لفترات أطول بسبب استمرار الانقطاع.
وفي ظل هذه الظروف، يتحول الصيف لدى سكان ديمشلت من فصل معتاد إلى موسم خوف واستنزاف، لأن ارتفاع الحرارة يعني زيادة الحاجة للمياه في اللحظة نفسها التي تصبح فيها المياه أقل توافرا داخل المنازل.
استغاثات بلا نهاية
ويختصر أحد السكان الأزمة في سؤال يردده الأهالي باستمرار، كيف يدفع المواطن فاتورة مياه كاملة بينما لا يستطيع فتح الصنبور والحصول على احتياجات أسرته، ثم يضطر بعد ذلك إلى شراء المياه مرة أخرى من ماله.
ومع تكرار المشكلة لسنوات، تراجعت ثقة كثير من الأهالي في الوعود التي يسمعونها، لأنهم لا يريدون تصريحات جديدة بقدر ما يريدون فتح الصنابير والعثور على المياه داخل بيوتهم دون انتظار منتصف الليل.
وبدلا من أن تكون المياه حقا متاحا، أصبحت بالنسبة لأسر ديمشلت مهمة يومية تبدأ بالسؤال عن مكان وجودها وتنتهي بحساب الكمية المتبقية، في مشهد يختزل حجم المعاناة التي فرضها تدهور الخدمة على القرية.
وعلى الرغم من كثرة الشكاوى، يظل الأهالي هم الطرف الذي يدفع الثمن، فهم من يسهرون ويحملون الجراكن ويدفعون ثمن الخزانات، وهم من يتحملون غضب الأطفال وتعطل أعمال المنزل وضغط النفقات الإضافية.
لذلك، لا يطلب سكان ديمشلت امتيازا استثنائيا، بل يطالبون بخدمة يدفعون ثمنها بالفعل، ويعتبرون أن استمرار ترك آلاف المواطنين يبحثون عن مياه الشرب بين القرى يمثل إهدارا لأبسط حقوقهم اليومية.
وفي النهاية، تختصر استغاثة ديمشلت مأساة آلاف الأسر التي تريد أن تنام ليلا بدلا من انتظار المياه فجرا، وأن تنفق أموالها على احتياجات أبنائها بدلا من دفع 200 جنيه لخزان ماء يفترض أن يصل إلى منازلهم.

