أثار تعميم منسوب إلى مستشفى المنصورة الجامعي جدلا واسعا، بعد فرض رسوم سكن على أطباء الامتياز بلغت 2500 جنيه شهريا مع الوجبات و1500 جنيه دونها، بينما لا تتجاوز مكافأتهم نحو 2600 جنيه.

 

وبالتالي، لا تبدو الواقعة مجرد خلاف إداري داخل مستشفى جامعي، بل صورة فاضحة لمنظومة صحية تطلب من الطبيب الشاب أن يسهر ويتدرب ويخدم المرضى، ثم تسحب مكافأته باسم السكن والطعام.

 

كما أن غضب الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة، كشف جوهر الأزمة حين سألت كيف يعيش طبيب امتياز يتبقى له 100 جنيه فقط بعد سداد السكن والوجبات.

 

لذلك، تتحول رسوم المنصورة إلى عنوان أوسع لإهانة الأطباء الشباب، في بلد يشتكي من هجرة الكفاءات، ثم يعامل بداية الطريق الطبي كعبء مالي لا كمرحلة تدريب إلزامية.

 

ومن ثم، فإن القضية لا تخص المنصورة وحدها، بل تفتح ملف مكافآت الامتياز، وبيئة العمل، وسكن الأطباء، وتأخر الصرف، وغياب الحد الأدنى من الكرامة المهنية داخل المستشفيات الجامعية.

 

رسوم السكن تلتهم مكافأة الامتياز

 

غير أن الأرقام وحدها تكفي لفهم الصدمة، فالمكافأة الشهرية التي تدور حول 2600 جنيه تصبح شبه معدومة إذا اختار الطبيب الإقامة مع الوجبات، وتصبح هزيلة أيضا دون وجبات.

 

علاوة على ذلك، فإن طبيب الامتياز ليس موظفا عاديا يستطيع البحث عن عمل بديل بسهولة، بل طبيب في تدريب إلزامي طويل، مرتبط بمستشفى وجدول نوبتجيات ومسؤوليات يومية مرهقة.

 

بناء على ذلك، يصبح تحميله تكلفة الإقامة والطعام قريبا من معاقبته على وجوده داخل المستشفى، رغم أن السكن ليس رفاهية لطبيب يقضي ساعات طويلة بين الأقسام والطوارئ.

 

في المقابل، يعكس منشور منى مينا غضبا مهنيا مفهوما، لأنها لم تتحدث عن رفاهية إضافية، بل عن طبيب شاب يضطر للاختيار بين النوم داخل المستشفى أو الاحتفاظ بجزء من مكافأته.

 

ثم إن وصف الواقعة بأنها إدارية فقط يخفي بعدها الإنساني، فطبيب الامتياز القادم من محافظة أخرى يحتاج سكنا آمنا وطعاما مناسبا، لا فاتورة تستنزف راتبه قبل منتصف الشهر.

 

كذلك، فإن فرض رسوم بهذا الحجم داخل مستشفى جامعي يطرح سؤالا عن دور الجامعات والمستشفيات، هل هي مؤسسات تدريب ورعاية، أم وحدات تحصيل تطارد أضعف حلقة في السلك الطبي.

 

وفوق ذلك، تؤكد الأزمة أن الطبيب الشاب يبدأ حياته المهنية تحت ضغط مالي ونفسي مبكر، بينما يفترض أن تكون سنة الامتياز مرحلة تأسيس علمي وإنساني لا اختبارا للفقر والتحمل.

 

مكافأة جامدة وأسعار تتحرك

 

من ناحية أخرى، قال نقيب الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي إن مكافأة أطباء الامتياز تراجعت قيمتها فعليا، بعدما تحولت من نسبة مرتبطة بالطبيب المقيم إلى قيمة مقطوعة لا تلاحق التضخم.

 

غير أن النقابة أوضحت أن قيمة 2800 جنيه كانت تمثل 80% من راتب الطبيب المقيم عام 2019، بينما أصبح الطبيب المقيم يتقاضى قرابة 7 آلاف جنيه لاحقا دون تعديل مناسب للمكافأة.

 

إضافة إلى ذلك، فإن تثبيت المكافأة مع تعويم الجنيه وارتفاع الأسعار يعني أن الطبيب خسر جزءا كبيرا من قوته الشرائية، حتى لو بقي الرقم الرسمي مكتوبا في أوراق الصرف.

 

كما أن حديث عبد الحي عن تحسين بيئة العمل يضع الأزمة في إطارها الصحيح، فالمشكلة ليست المكافأة وحدها، بل النوبتجيات والاستراحات والوجبات وتأمين المستشفيات واحترام الطبيب داخل مكان عمله.

 

لزيادة وضوح الصورة، فإن بعض المستشفيات الجامعية تؤجل صرف المكافآت شهورا، بحسب شكاوى نقابية متكررة، ما يجعل الطبيب الشاب واقفا بين تكلفة المعيشة وتأخر المستحقات واشتراطات السكن.

 

لذلك، تصبح رسوم المنصورة أكثر قسوة لأنها تأتي فوق مكافأة ضعيفة أصلا، وفوق بيئة عمل مرهقة، وفوق سوق أسعار لا يرحم طالبا أنهى سنوات دراسة طويلة وبدأ التدريب الإجباري.

 

ومن ثم، فإن تحسين أوضاع أطباء الامتياز ليس مطلبا فئويا ضيقا، بل شرطا لبقاء منظومة صحية قادرة على إنتاج أطباء لا يفكرون في الهروب منذ أول خطوة.

 

بيئة عمل تطرد أبناءها

 

في السياق نفسه، سبق أن أكد الدكتور إيهاب الطاهر أن أزمة أطباء الامتياز تتمثل في عدم حصولهم على مستحقاتهم المالية وفقا للقانون، الذي ربط المكافأة بنسبة من أجر الطبيب المقيم.

 

على الجانب الآخر، فإن خطاب النقابة إلى الجهات المعنية برفع المكافأة يعكس أن المشكلة قديمة وممتدة، وليست وليدة قرار المنصورة، لكنها انفجرت لأن الرسوم جعلت الظلم مرئيا ومباشرا.

 

علاوة على ذلك، فإن الطبيب الذي يدفع أكثر مما يحصل عليه تقريبا لا يتلقى رسالة تقدير، بل رسالة إهانة صريحة تقول إن الدولة تحتاج جهده لكنها لا تريد تحمل تكلفته.

 

بناء على ذلك، لا يمكن فصل الأزمة عن موجة هجرة الأطباء، لأن بيئة العمل التي تبدأ بمكافأة هزيلة وسكن مدفوع وتأخر صرف ونوبتجيات قاسية تدفع الشباب إلى البحث عن النجاة خارج البلاد.

 

غير أن الخطر لا يقف عند الطبيب وحده، فالمريض أيضا يدفع الثمن حين يعمل طبيب منهك ومتوتر وفقير داخل مستشفى مزدحم، بلا استراحة لائقة ولا طعام مضمون ولا أمان مهني.

 

كما أن المستشفيات الجامعية يفترض أن تكون نموذج التدريب الأفضل في مصر، فإذا تحولت إلى ساحات استنزاف مالي، فماذا يبقى للمستشفيات العامة والمركزية والوحدات الأقل تمويلا.

 

وبالتالي، فإن قرار رسوم السكن في المنصورة يكشف فلسفة إدارة كاملة، ترى الطبيب الشاب رقما يمكن تحميله الكلفة، لا استثمارا وطنيا يجب حمايته في بداية الطريق.

 

وفي النهاية، فإن طبيب الامتياز الذي لا يتبقى له سوى فتات من مكافأته ليس حالة فردية، بل عنوان لدولة تهين أطباءها ثم تتعجب من الهجرة والانهيار والغضب داخل المستشفيات.