حذرت شركة سي آي كابيتال من أن ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا بنسبة 10% سيرفع الفاتورة السنوية لاستيراد الوقود في مصر بنحو 26%، بما يعادل قرابة 6 مليارات دولار، ويزيد الضغوط على التضخم والعملة والأسواق المحلية.

 

وتكشف هذه التقديرات حجم الهشاشة التي يدفع ثمنها المصريون، بعدما أبقت إدارة الطاقة البلاد رهينة للاستيراد، ثم حولت كل صدمة خارجية إلى زيادة جديدة في البنزين والكهرباء والنقل، فيما تتآكل الأجور تحت موجات غلاء لا تتوقف.

 

وبحسب التقرير، لا تزال مصر تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد النفط والغاز لتغطية الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وهو اعتماد يجعل أي صعود عالمي للأسعار يتحول بسرعة إلى ضغط مباشر على النقد الأجنبي وفاتورة الواردات والأسعار داخل البلاد.

 

وفي الوقت نفسه، قدرت الشركة أن كل زيادة محلية محتملة بنسبة 10% في أسعار البنزين والسولار قد تضيف نحو 2.4% إلى الحد الأدنى للتضخم، ما يعني أن قرارا واحدا في لجنة التسعير يمكن أن يمتد إلى مئات السلع والخدمات.

 

ومن جهة أخرى، رفعت سي آي كابيتال تقديراتها لمعدل التضخم في مصر بنهاية العام المالي الحالي إلى 16% على الأقل، بما يعكس مخاوف من استمرار ضغوط الطاقة والنقل والغذاء وتكاليف الإنتاج على ميزانيات الأسر المصرية.

 

كما أظهر التقرير أن صدمة الطاقة في مارس الماضي رفعت أسعار خام برنت بنسبة 63% والغاز الطبيعي المسال بنسبة 55%، لتقفز فاتورة مصر الشهرية لاستيراد النفط والغاز بصورة حادة خلال فترة قصيرة.

 

وفوق ذلك، تكشف الأرقام أن الأزمة لا تتوقف عند بند الاستيراد، لأن زيادة تكلفة الوقود تنتقل عبر النقل والمصانع والخدمات وسلاسل التوريد، لتصل في النهاية إلى المستهلك الذي يدفع الزيادة في تفاصيل حياته اليومية.

 

 

فاتورة تستنزف الدولار

 

وبالتالي، قالت سارة سعادة، كبيرة محللي الاقتصاد الكلي لدى سي آي كابيتال، إن التأثير الأكبر لتقلبات الطاقة سيظهر في القطاع الخارجي، لأن مصر تستورد نحو ثلث احتياجاتها من الطاقة، ما يضاعف حساسية الاقتصاد للأسعار العالمية.

 

ووفقا لسعادة، لا تقتصر الزيادة على سعر النفط والغاز نفسه، إذ تؤدي التوترات الإقليمية أيضا إلى رفع تكاليف التأمين والشحن، فتدفع مصر ثمنا إضافيا فوق الزيادة الطبيعية في أسعار الطاقة التي تستوردها من الخارج.

 

ومن ثم، تصبح فاتورة الوقود استنزافا مباشرا للعملة الأجنبية، لأن كل قفزة في السعر العالمي تتطلب دولارات إضافية لتمويل الكميات نفسها، بينما تحتاج البلاد في الوقت ذاته إلى النقد الأجنبي لسداد الديون وتمويل الغذاء ومدخلات الإنتاج.

 

علاوة على ذلك، أظهرت صدمة مارس مدى سرعة انتقال الخطر، إذ ارتفعت الفاتورة الشهرية لاستيراد النفط بنسبة 108%، بينما قفزت فاتورة الغاز الطبيعي بنسبة 195%، وفقا لتصريحات حكومية سابقة أوردها تقرير الشركة.

 

وفي ضوء ذلك، تبدو زيادة سنوية محتملة بقيمة 6 مليارات دولار رقما ثقيلا على اقتصاد يواجه بالفعل التزامات خارجية مرتفعة، لأن أي عبء إضافي على الاستيراد يضغط على موارد الدولة ويزيد حساسية الجنيه لتحركات الأسواق.

 

وبالمقابل، لا يتحمل بند الموازنة كامل الصدمة، لأن الحكومة تعتمد المراجعة الدورية لأسعار الوقود والكهرباء، وهي آلية تسمح بنقل جزء متزايد من تكاليف الطاقة غير المحسوبة إلى المواطن بدلا من إبقائها عبئا على الخزانة.

 

وهنا، تتحول حماية الموازنة إلى فاتورة اجتماعية، فخفض ما تتحمله الدولة لا يلغي التكلفة بل يعيد توزيعها على الأسر والسائقين وأصحاب المشروعات، ثم تتسرب لاحقا إلى أسعار الغذاء والخدمات والإيجارات والنقل بصورة يصعب احتواؤها.

 

وفي هذا الإطار، قالت سعادة إن زيادة الكهرباء الأخيرة بنسبة 12% سيكون تأثيرها المباشر على التضخم محدودا، لكن الخطر الأكبر يظل مرتبطا بأي تحريك جديد للسولار والمحروقات المستخدمة بكثافة في النقل والأنشطة الإنتاجية.

 

لذلك، فإن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة يضع المستهلك أمام احتمال موجة جديدة من الزيادات، حتى إذا تأجل القرار مؤقتا، لأن آلية التسعير نفسها تجعل السوق المحلية مرتبطة بتكلفة الطاقة العالمية وسعر الصرف.

 

 

التضخم يلتهم الدخول

 

وفي مسار مواز، وصف مدحت نافع، عضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد في جامعة القاهرة، ضغوط أسعار الخدمات الأساسية بأنها تضخم لزج، مشيرا إلى استمرار ارتفاع السكن والكهرباء والغاز والاتصالات والمواصلات بمعدلات مرتفعة يصعب كبحها سريعا.

 

ووفقا لهذا التوصيف، فإن صدمة الوقود لا تنتهي بانخفاض النفط لاحقا، لأن المنتجين ومقدمي الخدمات قد يحتفظون بالزيادات التي فرضوها أثناء الأزمة، بينما يحتاج تراجع الأسعار وقتا أطول حتى يظهر في إنفاق الأسر.

 

إضافة إلى ذلك، يشكل السولار تحديا أشد من البنزين في حسابات التضخم، نظرا لاعتماد النقل الجماعي والشاحنات والأنشطة الزراعية والصناعية عليه، وهو ما يجعل أي زيادة فيه قادرة على الانتشار عبر معظم حلقات الاقتصاد.

 

وعلى هذا الأساس، فإن تقدير سي آي كابيتال بزيادة التضخم 2.4% مع كل ارتفاع محلي للمحروقات بنسبة 10% يعني أن المواطن قد يواجه موجة سعرية أوسع كثيرا من مجرد زيادة تكلفة ملء خزان سيارته.

 

وفي الأثناء، يضغط التضخم المرتفع على القوة الشرائية للأجور والمعاشات، لأن الزيادة في أسعار الغذاء والنقل والطاقة تلتهم أي تحسن اسمي في الدخل، وتدفع الأسر إلى تقليص الاستهلاك أو الاستدانة لتغطية الاحتياجات الأساسية.

 

وعوضا عن معالجة جذور الاعتماد على الخارج، يتكرر السيناريو نفسه مع كل اضطراب دولي، حيث ترتفع تكلفة الاستيراد ثم تتحرك الأسعار المحلية، بينما يبقى المواطن الحلقة الأضعف التي لا تملك آلية لتعويض خسارة دخلها الحقيقي.

 

 

المواطن يدفع الصدمة

 

وفي قراءة أخرى، سبق أن حذر هاني جنينة، رئيس وحدة البحوث في الأهلي فاروس، من أثر صدمات الوقود على التضخم، مقدرا أن تمرير زيادات المحروقات يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى ويقيد مساحة خفض الفائدة.

 

ومع ذلك، لا تتوقف كلفة الأزمة عند التضخم وحده، لأن بقاء أسعار الفائدة مرتفعة يزيد تكلفة الاقتراض على الشركات والحكومة، ويضغط على الاستثمار والنشاط الاقتصادي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى إنتاج أكبر لتقليل فاتورة الاستيراد.

 

وبصورة أوسع، يعكس رقم 6 مليارات دولار خطورة استمرار الفجوة بين إنتاج الطاقة المحلي واحتياجات الاستهلاك، لأن كل زيادة عالمية تعيد فتح الباب أمام ضغوط العملة والأسعار والفائدة، وتضع الاقتصاد في دائرة صدمات متكررة.

 

وفي النهاية، يدفع المصريون ثمن المعادلة من جهتين، الأولى عبر موارد دولارية تستنزفها واردات الطاقة، والثانية عبر زيادات محلية في الوقود والكهرباء والنقل، بينما تظل الدخول عاجزة عن ملاحقة أثر القرارات على الأسعار اليومية.

 

وأخيرا، تحذر تقديرات سي آي كابيتال من أن ارتفاع النفط 10% قد يضيف 6 مليارات دولار إلى فاتورة الطاقة السنوية، لكن الرقم الأخطر هو ما سيتوزع لاحقا على جيوب المواطنين في صورة غلاء جديد ومتواصل.