أعلن الحقوقي خالد علي القبض على الدكتور محمد زهران من منزله عند الساعة 9 مساء يوم 15 يوليو 2026 عقب دعوته لاجتماع معلمي القاهرة بينما ظلت جهة احتجازه ومكانه مجهولين لأسرته.
لكن توقيف نقابي بسبب دعوة لاجتماع مهني مشروع يكشف مجددا كيف تحولت الدولة في عهد عبد الفتاح السيسي إلى سلطة تخشى التنظيم المستقل وتحاصر المعلمين بينما تترك أسرته فريسة القلق والغموض.
وتكشف الواقعة ثلاثة محاور مترابطة هي القبض على زهران قبل الاجتماع وتعطيل التحرك نحو انتخابات النقابة وغياب المعلومات عن مكان احتجازه بما يضع الحرية النقابية وسلامته الشخصية أمام اختبار عاجل وخطير.
ووفق خالد علي تلقى الأستاذ هلال عبد الحميد اتصالا هاتفيا من نجل محمد زهران أبلغه خلاله بأن والده قبض عليه داخل مسكنه ثم نقل هلال تفاصيل الواقعة إلى المحامي الحقوقي.
وحتى لحظة نشر المعلومات لم يصدر بيان رسمي يوضح الجهة التي نفذت القبض أو الأساس القانوني للإجراء أو مقر الاحتجاز وهو صمت يضاعف المخاوف بشأن مصير زهران وسلامته الجسدية والقانونية.
دعوة سبقت القبض
بداية كان محمد زهران قد دعا معلمي القاهرة إلى اجتماع يوم السبت الموافق 18 يوليو 2026 لبحث آليات إجراء الانتخابات في اللجان النقابية على مستوى المحافظة وفق منشور كتبه بصفحته على فيسبوك.
كما أوضح زهران أن الاجتماع سيضم المعلمين الموجودين في الخدمة وزملاءهم المحالين إلى المعاش بما يمنح الدعوة طابعا جامعا يتجاوز الانقسامات الوظيفية ويستعيد مشاركة القاعدة المهنية في تقرير مصير نقابتها.
كذلك طلب من الراغبين في المشاركة إرسال بياناتهم عبر تطبيق واتس تمهيدا لإبلاغهم بمكان الاجتماع في رسالة خاصة وهي ترتيبات تنظيمية عادية لا تحمل في مضمونها المعلن أي دعوة للعنف أو الفوضى.
ولتنظيم الاجتماع ربط زهران التحرك ببحث الوسائل القانونية اللازمة لإجراء انتخابات اللجان النقابية بما يحول لقاء السبت من تجمع عابر إلى خطوة عملية لاسترداد حق المعلمين في اختيار ممثليهم بحرية.
وبالتزامن جاء القبض قبل 3 أيام من موعد الاجتماع ما يدعم بحسب خالد علي الربط بين الاحتجاز والدعوة النقابية ويثير شكوكا جدية حول استهداف الاجتماع قبل انعقاده ومنع المشاركين من الحضور.
قانونيا لا تمثل الدعوة لاجتماع المعلمين جريمة ولا يعد السعي إلى تنفيذ أحكام قضائية نهائية تهديدا للأمن بل ممارسة دستورية مرتبطة بحرية التنظيم وحق أعضاء النقابة في انتخاب ممثليهم دوريا.
سياسيا يرسل القبض رسالة ترهيب إلى كل معلم يفكر في المشاركة مفادها أن السلطة قد تعامل أبسط تحرك نقابي باعتباره تحديا يستوجب المنع بدلا من الاستماع إلى مطالب أصحاب المهنة.
نقابة تحت الحراسة
تاريخيا يعد محمد زهران مؤسس تيار استقلال المعلمين ووكيل مؤسسي حزب الجبهة الديمقراطية ما يجعل نشاطه ممتدا بين الدفاع عن استقلال النقابة والمشاركة السياسية المعارضة والعمل القانوني المنظم منذ سنوات.
وبحسب خالد علي خاض زهران مسارا قضائيا طويلا حصل خلاله على أحكام نهائية وواجبة النفاذ تقضي بإجراء انتخابات نقابة المعلمين وإنهاء الأوضاع الاستثنائية التي عطلت اختيار ممثلي المعلمين الحقيقيين بحرية.
وعلى مدى أكثر من 10 سنوات استمرت الحراسة المفروضة على النقابة بحسب المعلومات المنشورة وهو وضع حرم المعلمين من تداول نقابي طبيعي وأبقى مؤسستهم المهنية بعيدة عن إرادتهم المباشرة الحرة.
ومن ثم لم تكن دعوة السبت حدثا منفصلا بل محاولة لتحويل الأحكام القضائية من أوراق معطلة إلى إجراءات انتخابية يشارك فيها المعلمون بالخدمة والمعاش على مستوى محافظة القاهرة بصورة منظمة.
نقابيا يمثل استمرار الحراسة إفراغا للنقابة من وظيفتها الأساسية لأن المؤسسة التي لا يختار أعضاؤها ممثليهم بحرية تتحول إلى هيكل إداري منزوع الإرادة وعاجز عن الدفاع الحقيقي عن حقوقهم المهنية.
علاوة على ذلك يمنح موقع زهران السياسي والنقابي للواقعة دلالة أوسع إذ تجمع بين استهداف صوت معارض ومحاولة إجهاض مسار قضائي يطالب السلطة بتنفيذ أحكام صدرت باسم القانون والشعب المصري.
في المقابل لا تقدم السلطة حتى الآن تفسيرا لسبب استمرار الحراسة أو تعطيل الانتخابات رغم الأحكام النهائية ما يعزز الانطباع بأن الأزمة ليست قانونية بل سياسية تتصل بالسيطرة على النقابات المستقلة.
والأخطر أن تجاهل الأحكام ثم القبض على من يطالب بتنفيذها يضرب مبدأ سيادة القانون في الصميم ويحول القضاء إلى واجهة بلا أثر حين تتعارض أحكامه مع رغبة الأجهزة التنفيذية والأمنية.
غموض ومطالب قانونية
غير أن القلق الأكبر لا يتعلق فقط بسبب القبض بل بغياب أي معلومة مؤكدة عن مكان احتجاز محمد زهران أو الجهة المسؤولة عنه أو وضعه القانوني منذ نقله من منزله.
إنسانيا ترك هذا الغموض أسرة زهران عاجزة عن الاطمئنان على حالته الصحية وسلامته الجسدية أو توكيل محام للحضور معه وهي حقوق أولية لا يجوز تعليقها بسبب نشاطه النقابي السلمي المعلن.
وفي هذا السياق أكد خالد علي أنه يتابع تطورات القضية مع عائلة زهران وهلال عبد الحميد ويعمل على كشف مكان الاحتجاز وضمان الحقوق القانونية للمقبوض عليه والسعي إلى الإفراج عنه.
وبناء على ذلك يتعين تمكين زهران فورا من الاتصال بأسرته ومحاميه وعرضه على جهة تحقيق مختصة إن وجدت اتهامات معلنة مع الكشف عن مكانه ووقف أي احتجاز خارج القانون نهائيا.
ومع اقتراب السبت بقي مصير الاجتماع الذي دعا إليه مجهولا كما يواجه المعلمون المشاركون اختبارا بين التراجع تحت ضغط الخوف والتمسك بحقهم المشروع في تنظيم نقابتهم وانتخاب ممثليهم من دون وصاية.
لذلك تتحمل السلطات المصرية المسؤولية الكاملة عن سلامة محمد زهران وتوضيح سند القبض ومكان الاحتجاز كما يتعين عليها احترام الأحكام القضائية ووقف ملاحقة المعلمين بسبب نشاطهم المهني السلمي والمشروع قانونا.
أخيرا تختصر قضية زهران أزمة العمل النقابي في مصر حيث تتعطل الانتخابات لأكثر من عقد وتبقى الأحكام دون تنفيذ ثم يقبض على صاحب الدعوة بينما تصمت الجهات الرسمية وتنتظر الأسرة خبرا.

