يجهل كثير من المواطنين أن تسجيل المولود الجديد ليس مجرد إجراء إداري يمكن تأجيله إلى وقت لاحق، بل هو التزام قانوني يرتبط بإثبات شخصية الطفل وحفظ حقوقه منذ اللحظة الأولى لولادته. وقد حدد قانون الأحوال المدنية وقانون الطفل مدة زمنية واضحة للإبلاغ عن واقعة الميلاد، والأشخاص المسؤولين عن تقديم البلاغ، والمستندات المطلوبة لإتمام القيد بصورة صحيحة.
وتكمن أهمية الالتزام بهذه الإجراءات في تمكين الطفل من الحصول على شهادة الميلاد، وإضافته إلى السجلات الرسمية، والاستفادة لاحقًا من خدمات الرعاية الصحية والتطعيم والتعليم والتأمين وغيرها من الحقوق الأساسية. وفي المقابل، قد يؤدي التأخر في الإبلاغ أو الامتناع عنه إلى تعقيد إجراءات التسجيل، وفتح باب المساءلة القانونية للمكلفين بالتبليغ، خاصة أن القانون لا يترك مهمة الإبلاغ متاحة لأي شخص، بل يرتب المسؤولية وفق تسلسل محدد.
15 يومًا فقط للإبلاغ عن واقعة الميلاد
ألزم قانون الأحوال المدنية بالإبلاغ عن واقعة الميلاد خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يومًا من تاريخ حدوث الولادة، وهي مهلة تستهدف ضمان سرعة إدراج بيانات الطفل في السجلات الرسمية ومنع تراكم حالات المواليد غير المسجلين. ويجري التبليغ من خلال تقديم النموذج المعد لهذا الغرض من نسختين، على أن يتضمن البيانات والمستندات التي تحددها اللائحة التنفيذية، بما يساعد الجهات المختصة على التأكد من صحة واقعة الميلاد وتاريخها وبيانات الوالدين.
ولا يقتصر تسجيل المولود على استخراج وثيقة رسمية فقط، بل يمثل الأساس القانوني الذي تبنى عليه بقية حقوق الطفل. فشهادة الميلاد تعد المستند الأول لإثبات السن والجنسية والاسم وصلته بأسرته، كما تعتمد عليها المؤسسات الصحية والتعليمية والاجتماعية في تقديم خدماتها. وأي تأخير في القيد قد يضع الأسرة أمام إجراءات إضافية لإثبات الواقعة، خصوصًا إذا تجاوزت المدة القانونية أو تعذر تقديم المستندات المؤيدة للولادة.
ويستهدف تحديد مهلة زمنية قصيرة كذلك حماية الأطفال من مخاطر عدم القيد أو التلاعب في بيانات الميلاد، وتحديث قواعد البيانات السكانية بصورة دقيقة. لذلك ينبغي على الأسرة بدء إجراءات التسجيل فور الولادة، وعدم انتظار اقتراب انتهاء المهلة، تفاديًا لأي ظروف طارئة أو نقص في الأوراق قد يؤدي إلى تجاوز المدة المحددة قانونًا.
من المسؤول عن تسجيل الطفل؟ القانون يحدد ترتيب المكلفين
حددت المادة 15 من قانون الطفل الأشخاص المكلفين قانونًا بالإبلاغ عن واقعة الولادة، وجاء والد الطفل في مقدمتهم متى كان حاضرًا، ثم والدة الطفل بشرط إثبات العلاقة الزوجية وفق الضوابط التي تبينها اللائحة التنفيذية. كما أُلزم مديرو المستشفيات والمؤسسات العقابية ودور الحجر الصحي وغيرها من الأماكن التي تحدث فيها الولادات بالإبلاغ، ويأتي بعدهم العمدة أو الشيخ.
وأجاز القانون قبول البلاغ ممن حضر واقعة الولادة من الأقارب أو الأصهار البالغين حتى الدرجة الثانية، وفق القواعد المنظمة لذلك. لكنه في الوقت نفسه منع قبول البلاغ من أشخاص آخرين خارج الفئات التي حددها، بهدف ضمان جدية المعلومات المقدمة وتقليل احتمالات الخطأ أو تقديم بيانات غير صحيحة.
وتقع المسؤولية عن عدم الإبلاغ في الموعد القانوني على الأشخاص المكلفين به وفق الترتيب السابق. ويعني ذلك أن المسؤولية لا توزع بصورة عشوائية، بل تنتقل بحسب حضور الشخص وقدرته القانونية على القيام بالإجراء. ومن هنا، لا يجوز للأسرة افتراض أن المستشفى أو الطبيب سيتولى التسجيل كاملًا دون متابعة، بل يتعين التأكد من تقديم البلاغ إلى الجهة المختصة واستكمال المستندات المطلوبة.
كما ألزم القانون الأطباء والمرخص لهن بمزاولة مهنة التوليد بإعطاء شهادة تثبت واقعة الولادة، وتتضمن تاريخها واسم الأم ونوع المولود. وفي حالات الولادة التي تتم خارج المنشآت الطبية، يجب على أطباء الوحدات الصحية ومفتشي الصحة إصدار شهادة بالمضمون نفسه بعد توقيع الكشف الطبي عند طلب ذلك، حتى يمكن توثيق الواقعة رسميًا.
حق الأم في الإبلاغ وضوابط ممارسة مهنة التوليد
منح القانون الأم الحق في الإبلاغ عن وليدها وقيده في سجلات المواليد واستخراج شهادة ميلاد مدونًا بها اسمها، مع التأكيد على أن هذه الشهادة لا يعتد بها في غير إثبات واقعة الميلاد، وذلك دون الإخلال بالأحكام القانونية المنظمة لإثبات النسب والبيانات الأخرى. ويهدف هذا النص إلى منع بقاء الطفل من دون قيد رسمي بسبب غياب الأب أو تعذر قيامه بالإبلاغ، مع الحفاظ على القواعد القانونية المتعلقة بإثبات الروابط الأسرية.
وتضمن قانون الطفل كذلك ضوابط لممارسة مهنة التوليد، إذ حظر على غير الأطباء البشريين مزاولتها، سواء بصفة عامة أو خاصة، إلا إذا كان اسم من تمارسها مقيدًا في سجلات المولدات أو مساعدات المولدات أو القابلات بوزارة الصحة. كما أوجب على المرخص لها بمزاولة المهنة إبلاغ وزارة الصحة بأي تغيير دائم في محل إقامتها خلال ثلاثين يومًا، وإلا جاز شطب اسمها من السجل بعد اتخاذ الإجراءات المقررة.
وبحسب النصوص الواردة في قانون الطفل، يعاقب من يزاول مهنة التوليد بالمخالفة لأحكام القانون بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر، وبغرامة تتراوح بين مائتي جنيه وخمسمائة جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، مع توقيع العقوبتين معًا في حالة تكرار المخالفة.
وتؤكد هذه الأحكام أن منظومة تسجيل المواليد تبدأ من لحظة الولادة نفسها، مرورًا بإثباتها طبيًا، ثم الإبلاغ عنها وقيدها في المواعيد القانونية. ولذلك فإن الالتزام بمهلة الخمسة عشر يومًا، والاحتفاظ بشهادة الولادة، ومراجعة صحة البيانات قبل التسجيل، خطوات ضرورية لتجنب النزاعات والإجراءات المعقدة، وضمان حصول الطفل على هويته القانونية وحقوقه الأساسية دون تأخير.

