وافق قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي بقرار جمهوري نُشر في القاهرة على قرض ياباني جديد بقيمة 100 مليار ين لتمويل الشريحة الرابعة من المرحلة الأولى للخط الرابع للمترو، لتضاف التزامات جديدة إلى ديون مصر المتراكمة.

 

ويأتي القرار بينما تبدأ الدولة عاما ماليا بإيرادات تقل عن فاتورة خدمة الدين، فتتحول مشروعات النقل الضرورية إلى حلقات جديدة في سلسلة الاقتراض، ويدفع المواطن الثمن عبر الغلاء وتقليص الدعم والضغط المستمر على الخدمات الأساسية.

 

وبحسب الاتفاق، تقدم وكالة اليابان للتعاون الدولي التمويل لصالح الحكومة المصرية لاستكمال المشروع، بعد موافقة مجلس الوزراء، ضمن برنامج تمويل متعدد الشرائح بدأ قبل سنوات ولم تتوقف تكلفته عند القرض المعلن حديثا.

 

وفي المقابل، يمتد القرض لسنوات طويلة بشروط ميسرة مقارنة بالاقتراض التجاري، لكن انخفاض الفائدة لا يلغي حقيقة تسجيل الدين بالعملة الأجنبية، ولا يحصن الموازنة من مخاطر تغير سعر الجنيه أمام الين مستقبلا.

 

قرض فوق جبل الديون

 

ومن ثم، لا يمثل مبلغ 100 مليار ين تمويلا منفصلا، بل شريحة جديدة ضمن قروض يابانية سابقة للمرحلة الأولى، شملت 32.7 مليار ين عام 2012 و41 مليار ين عام 2022 وتمويلا آخر عام 2023.

 

كما أن التقييم الياباني للمشروع يقدر تكلفته الإجمالية بنحو 439.8 مليار ين، منها 100 مليار ين في الشريحة الأخيرة، بما يكشف ضخامة العبء المالي لمشروع واحد داخل دولة تتوسع في الاقتراض لتمويل احتياجاتها.

 

لذلك، يصبح الاحتفاء بوصف القرض بأنه ميسر خطابا ناقصا، لأن الأصل والفوائد سيظلان التزاما على أجيال لم تشارك في اختيار المشروع أو مراجعة تكلفته، بينما تظل دراسات الجدوى التفصيلية بعيدة عن النقاش العام.

 

غير أن الخط الرابع نفسه مشروع نقل جماعي مهم، إذ يستهدف ربط مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة في الجيزة والقاهرة، ويمتد خلال مرحلته الأولى لنحو 19 كيلومترا، ويضم 16 محطة وفقا للبيانات اليابانية.

 

علاوة على ذلك، يربط المسار مناطق الهرم وفيصل والعمرانية والجيزة بشبكة المترو، قبل امتداده لاحقا نحو مدينة نصر والقاهرة الجديدة، مع توقعات رسمية بوصول الطاقة الاستيعابية بعد اكتمال المرحلتين إلى 1.5 مليون راكب يوميا.

 

وبناء على ذلك، لا يدور الاعتراض حول حاجة القاهرة إلى المترو، وإنما حول نموذج تمويل يعتمد على الديون الخارجية من دون شفافية كافية بشأن العائد المالي والتشغيلي، وأسعار التذاكر، وفترة استرداد التكلفة، وقدرة الموازنة على السداد.

 

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، أن الخط الرابع من أهم مشروعات النقل الجماعي، لما يوفره من سرعة واستيعاب مرتفع وتقليل للتلوث في مناطق شديدة الازدحام.

 

ومع ذلك، فإن الأهمية الهندسية لا تمنح الحكومة تفويضا مفتوحا للاقتراض، بل تفرض عليها نشر بدائل التمويل وتقديرات الإيرادات والمخاطر، حتى لا يتحول المشروع الضروري إلى ذريعة لإخفاء تكلفة مالية تتضخم خارج الرقابة الشعبية.

 

الموازنة رهينة الفوائد

 

وبالتزامن، قدرت موازنة العام المالي 2026 و2027 خدمة الدين بنحو 5.2 تريليون جنيه، تشمل الأقساط والفوائد، بزيادة تقترب من 19.2 بالمئة عن العام السابق، بينما بلغت الإيرادات المقدرة نحو 4.9 تريليون جنيه.

 

وفوق ذلك، يعني تجاوز خدمة الدين إجمالي الإيرادات أن الدولة تحتاج إلى الاقتراض مجددا لتغطية التزامات سابقة وتمويل مصروفاتها، فتدخل الموازنة في دائرة يعاد فيها إنتاج الدين بدلا من توجيه الموارد إلى التنمية الاجتماعية.

 

ومن ناحية أخرى، سجلت فوائد الدين وحدها نحو 2 تريليون جنيه خلال الأشهر العشرة الأولى من العام المالي السابق، واستحوذت على 75.9 بالمئة من الإيرادات، بما يترك مساحة أضيق للإنفاق على الصحة والتعليم ودعم الفقراء.

 

وبالمثل، قال الدكتور فخري الفقي، مساعد مدير صندوق النقد الدولي السابق، إن فوائد الدين في الموازنة تصل إلى نحو 2.3 تريليون جنيه، بما يعادل قرابة نصف المصروفات العامة، وهو عبء يوضح حجم اختلال الأولويات.

 

وبالتالي، يصبح كل قرض جديد جزءا من مشكلة هيكلية، حتى عندما يمول أصلا عاما مفيدا، لأن الحكومة لم تنجح في بناء إيرادات إنتاجية كافية لسداد التزاماتها من دون فرض ضرائب ورسوم وخفض دعم أو استدانة إضافية.

 

أما الخبير الاقتصادي ووزير التضامن الأسبق جودة عبد الخالق، فيحذر من أن خدمة الدين تلتهم معظم موارد الموازنة، فلا يتبقى سوى هامش محدود للإنفاق العام، بينما تدفع الدولة نحو بيع الأصول لمواجهة احتياجات السداد.

 

ومن جهة أخرى، أظهرت تقديرات دولية أن مصر تواجه نحو 27 مليار دولار من مدفوعات الدين الخارجي خلال 2026، لتصبح صاحبة النصيب الأكبر من استحقاقات الديون السيادية في أفريقيا، بما يضاعف مخاطر إعادة التمويل.

 

المواطن يسدد الفاتورة

 

وإضافة إلى ذلك، لا تبقى أزمة الدين داخل دفاتر وزارة المالية، بل تنتقل إلى حياة المصريين عبر رفع أسعار الوقود والنقل والخدمات، وتقليل الإنفاق الحقيقي على التعليم والصحة، وزيادة الضرائب غير المباشرة التي يتحملها الفقراء أكثر.

 

في المقابل، ترى الحكومة أن الاعتماد على القروض الميسرة طويلة الأجل أفضل من التمويل التجاري مرتفع التكلفة، وتستهدف خفض الدين وخدمته تدريجيا وتقليل الاقتراض الخارجي سنويا، لكن الأرقام الحالية تكشف اتساع الفجوة بين التعهدات والواقع.

 

وعليه، فإن انخفاض فائدة التمويل الياباني لا يكفي لتبرير القرض منفردا، لأن تقييمه يجب أن يشمل التكلفة الكلية للمشروع، ومخاطر العملة، وقدرة إيرادات التشغيل على تغطية الصيانة والسداد من دون تحميل الركاب زيادات متلاحقة.

 

كذلك، يلفت الخبير الاقتصادي محمد فؤاد إلى أن الديون المصرية لم تنخفض فعليا، حتى عندما تراجعت نسبتها إلى الناتج المحلي، وهو تمييز ضروري بين تحسن المؤشرات الحسابية وتراجع القيمة المطلقة للالتزامات المستحقة.

 

وبهذا المعنى، تستطيع الحكومة إعلان انخفاض نسبة الدين عبر نمو الناتج الاسمي وارتفاع الأسعار، بينما يبقى حجم الأموال المطلوب سدادها كبيرا، وتظل الفوائد تلتهم الإيرادات وتفرض على المواطنين جولات جديدة من التقشف والإفقار.

 

إلى جانب ذلك، ترتبط القروض اليابانية بشروط الشراكة الاقتصادية الخاصة التي تتيح استخدام التكنولوجيا والشركات اليابانية، ما يحد من حرية توجيه جانب من الإنفاق، ويجعل تقييم نسبة المكون المحلي والعائد الصناعي أمرا ضروريا.

 

وبدلا من الاكتفاء بإعلان القرض، يتعين نشر الاتفاق كاملا باللغة العربية، متضمنا جدول السحب والسداد والفوائد والعمولات ومخاطر تغير العملة، إلى جانب دراسة الجدوى وتوقعات أعداد الركاب والإيرادات والتكلفة النهائية بعد التعديلات.

 

وأخيرا، يكشف قرض 100 مليار ين مفارقة دولة تحتاج إلى مترو حديث، لكنها تموله داخل اقتصاد غارق في خدمة الديون، فتتحول التنمية من حق ممول بموارد مستدامة إلى مشروع مرهون للمقرضين لعقود طويلة.