مع تسارع ثورة الذكاء الاصطناعي، لم تعد المنافسة بين متصفحات الإنترنت تدور حول سرعة تحميل الصفحات أو كفاءة محركات البحث، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها: من يستطيع أن ينجز مهام المستخدم بدلًا منه؟

 

فبعد سنوات من هيمنة متصفحي "جوجل كروم" و"آبل سفاري" على سوق التصفح العالمي، بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى والناشئة على حد سواء في إطلاق جيل جديد من المتصفحات يعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على التفاعل مع المواقع الإلكترونية، وفهم محتواها، وتنفيذ المهام اليومية تلقائيًا.

 

ويصف خبراء التكنولوجيا هذا التحول بأنه بداية عصر جديد قد يغيّر مفهوم التصفح التقليدي بالكامل، إذ يتحول المتصفح من مجرد نافذة لعرض صفحات الإنترنت إلى مساعد رقمي ذكي يستطيع البحث، والتخطيط، والشراء، وملء النماذج، وكتابة المحتوى، بل وحتى تنفيذ المهام المختلفة نيابة عن المستخدم.

 

ورغم استمرار كروم وسفاري في احتلال الصدارة من حيث عدد المستخدمين، فإن عام 2026 شهد دخول عدد من المنافسين الذين يراهنون على الذكاء الاصطناعي باعتباره السلاح الحاسم في معركة المتصفحات المقبلة، وسط سباق تقوده شركات مثل OpenAI وPerplexity وOpera وBrave وThe Browser Company.

 

 

كوميت.. بيربليكسيتي تراهن على متصفح يفهم كل صفحة

 

يُعد متصفح Comet الذي تطوره شركة Perplexity من أبرز الوافدين الجدد إلى هذا السباق، إذ يعتمد على دمج الذكاء الاصطناعي داخل تجربة التصفح نفسها بدلاً من الاكتفاء بمحرك بحث تقليدي.

 

ويحتوي المتصفح على مساعد ذكي مدمج في شريط جانبي، يمكنه الإجابة عن أسئلة المستخدم المتعلقة بأي صفحة مفتوحة، وتلخيص المقالات، وشرح المحتوى، وتفسير المعلومات دون الحاجة إلى نسخ النصوص أو فتح تطبيقات محادثة منفصلة.

 

ويستند كوميت إلى مشروع Chromium، وهو المشروع مفتوح المصدر الذي يعتمد عليه أيضًا متصفحا كروم ومايكروسوفت إيدج، الأمر الذي يجعل الانتقال إليه سهلاً بالنسبة للمستخدمين المعتادين على بيئة كروم.

 

وتؤكد الشركة المطورة أن خصوصية المستخدم تمثل إحدى أولوياتها، إذ تُخزن البيانات محليًا ولا تُستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، في محاولة لبناء ثقة المستخدمين وسط تزايد المخاوف المتعلقة باستخدام البيانات الشخصية.

 

ويرى مراقبون أن نجاح كوميت سيعتمد في النهاية على قدرته على الموازنة بين تقديم مزايا الذكاء الاصطناعي واحترام خصوصية المستخدمين، إلى جانب معالجة القضايا المتعلقة بحقوق النشر والمحتوى الرقمي.

 

 

أطلس.. OpenAI تحول ChatGPT إلى متصفح متكامل

 

من جانبها، تدخل شركة OpenAI المنافسة عبر متصفح Atlas الذي يعتمد بصورة كاملة على دمج ChatGPT داخل تجربة التصفح اليومية.

 

ويتيح أطلس للمستخدم إجراء محادثة مباشرة مع أي صفحة ويب، وطرح الأسئلة حول محتواها، والحصول على ملخصات فورية، وتحليل البيانات، وإجراء المقارنات بين المنتجات والخدمات دون مغادرة الصفحة.

 

كما يحتفظ المتصفح بسياق العمل أثناء التنقل بين المواقع المختلفة، بما يسمح بتقديم إجابات أكثر دقة وسلاسة مقارنة بأدوات الذكاء الاصطناعي التقليدية.

 

ومن أبرز المزايا التي يقدمها أطلس ما يُعرف بـ"وضع الوكيل" (Agent Mode)، والذي يمكّن ChatGPT من تنفيذ مجموعة واسعة من المهام نيابة عن المستخدم، مثل البحث داخل المواقع، وملء الاستمارات، وتنظيم الرحلات، وإتمام عمليات التسوق الإلكترونية، بدلاً من الاكتفاء بتقديم الاقتراحات.

 

وتسعى OpenAI من خلال هذا المشروع إلى إعادة تعريف وظيفة المتصفح بالكامل، بحيث يتحول إلى مساعد رقمي قادر على تنفيذ المهام اليومية داخل الإنترنت بصورة شبه مستقلة.

 

 

Dia.. متصفح يقرأ جميع علامات التبويب في وقت واحد

 

أما شركة The Browser Company، المطورة لمتصفح Arc الشهير، فقد اتجهت إلى تطوير متصفح جديد يحمل اسم Dia يقوم على دمج الذكاء الاصطناعي في جميع عناصر تجربة التصفح.

 

ويتميز المتصفح بواجهة محادثة تستطيع قراءة وفهم جميع علامات التبويب المفتوحة في الوقت نفسه، ثم تقديم ملخصات وإجابات تعتمد على المحتوى الكامل الذي يعمل عليه المستخدم.

 

كما يستطيع البحث داخل المواقع التي سبق للمستخدم تسجيل الدخول إليها – بعد الحصول على إذنه – وربط المعلومات القادمة من مصادر مختلفة في إجابة واحدة متكاملة.

 

ومن أبرز خصائص Dia نظام "Skills" الذي يسمح بإنشاء أوامر وسير عمل قابلة للتكرار بصورة تلقائية، بالإضافة إلى نظام ذاكرة اختياري يتذكر تفضيلات المستخدم وطريقة عمله لتقديم استجابات أكثر تخصيصًا.

 

وتسعى الشركة إلى جعل المتصفح بيئة إنتاجية متكاملة، قادرة على كتابة النصوص، وتلخيص الاجتماعات، وإعداد العروض التقديمية، وربط البيانات القادمة من منصات مثل GitHub وNotion.

 

 

Opera Neon.. المتصفح الذي ينفذ المهام بدلًا منك

 

بدورها، أعادت شركة Opera إحياء مشروع Opera Neon ولكن بصورة مختلفة تمامًا تعتمد على مفهوم "التصفح الوكيلي" أو Agentic Browsing.

 

ويستطيع المتصفح تنفيذ المهام داخل المواقع الإلكترونية بنفسه، مثل التنقل بين الصفحات، وجمع البيانات، وتشغيل التعليمات البرمجية، وملء النماذج، وإجراء المقارنات بين المنتجات والخدمات.

 

كما يضم ميزة Neon Do التي تسمح بإنجاز المهام داخل جلسة التصفح المحلية دون الحاجة إلى إرسال كلمات المرور إلى خدمات سحابية، وهو ما يمنح المستخدم مستوى إضافيًا من الأمان.

 

ويحتوي أيضًا على نظام Cards لإنشاء أوامر قابلة لإعادة الاستخدام، بالإضافة إلى ميزة Tasks التي تجمع جميع الصفحات والمحادثات المرتبطة بمشروع واحد، فضلاً عن قدرته على إنشاء تطبيقات ويب بسيطة وكتابة الأكواد البرمجية باستخدام أوامر نصية.

 

 

Brave.. الخصوصية أولًا والذكاء الاصطناعي ثانيًا

 

في المقابل، يواصل متصفح Brave الحفاظ على موقعه باعتباره أحد أقوى البدائل لمستخدمي كروم، خاصة لأولئك الذين يمنحون الخصوصية أهمية كبيرة.

 

ويقوم Brave بحظر الإعلانات وأدوات التتبع تلقائيًا دون الحاجة إلى تثبيت إضافات خارجية، الأمر الذي ينعكس على سرعة تحميل الصفحات وتقليل استهلاك البيانات.

 

كما يوفر محرك البحث المستقل Brave Search، الذي لا يعتمد على تتبع المستخدمين أو إنشاء ملفات تعريف لهم، إضافة إلى إمكانية استخدام شبكة VPN وخدمة التصفح عبر Tor.

 

وفي مجال الذكاء الاصطناعي، يقدم Brave مساعدًا يحمل اسم Leo يمكنه تلخيص المقالات، والإجابة عن الأسئلة، وتحليل المحتوى، والمساعدة في كتابة النصوص مباشرة داخل المتصفح.

 

وتؤكد الشركة أن دمج Leo مع Brave Search يسمح بتقديم إجابات تعتمد على أحدث المعلومات المتاحة مع الحفاظ على خصوصية المستخدم وعدم إلزامه بتسجيل الدخول.

 

 

هل أصبحت متصفحات الذكاء الاصطناعي جاهزة بالفعل؟

 

ورغم الزخم الكبير الذي يحيط بهذه المتصفحات الجديدة، فإن العديد من الخبراء يرون أن التكنولوجيا لا تزال في مراحلها الأولى.

 

وتشير تقارير تقنية إلى أن هذه المتصفحات قادرة بالفعل على اختصار بعض المهام مثل المقارنة بين المنتجات، أو تنظيم المواعيد، أو تلخيص المقالات الطويلة، إلا أنها لا تحقق دائمًا وفورات حقيقية في الوقت، بل قد تضيف في بعض الأحيان خطوات جديدة أو تقدم نتائج غير دقيقة.

 

كما تثير هذه الأدوات مخاوف متزايدة تتعلق بالخصوصية، بسبب حاجتها إلى الوصول الواسع لنشاط المستخدم داخل المواقع الإلكترونية، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على جمع وتحليل البيانات الشخصية.

 

وتزداد هذه المخاوف مع ظهور ما يُعرف بـ"الوكلاء الذكيين"، القادرين على تنفيذ إجراءات فعلية نيابة عن المستخدم، إذ يحذر مختصون من إمكانية استغلال صفحات ويب خبيثة أو تعليمات مخفية لخداع هذه الأنظمة ودفعها إلى تنفيذ عمليات غير مقصودة أو الكشف عن بيانات حساسة.

 

 

مستقبل المتصفحات يتغير

 

ويبدو أن السنوات المقبلة ستشهد تحولًا جذريًا في مفهوم تصفح الإنترنت، إذ لم يعد الهدف مجرد الوصول إلى المعلومات، بل تمكين المستخدم من إنجاز أعماله بالكامل عبر مساعد ذكي يعمل داخل المتصفح نفسه.

 

وبينما تراهن شركات التكنولوجيا على أن الذكاء الاصطناعي سيصبح القلب النابض لمتصفحات المستقبل، يبقى نجاح هذه الرؤية مرهونًا بقدرتها على تحقيق معادلة صعبة تجمع بين الكفاءة والسرعة من جهة، وحماية الخصوصية والأمان الرقمي من جهة أخرى، في وقت تتزايد فيه المنافسة على قيادة الجيل القادم من تجربة الإنترنت.