لم يتصدر محمد صلاح قائمة هدافي كأس العالم 2026، ولم تكن أهدافه وحدها هي العنوان الأبرز في مشوار المنتخب المصري، لكن الأرقام تكشف قصة مختلفة تماما عن الصورة التي قد ترسمها لوحات النتائج.
قائد الفراعنة أصبح اللاعب الأكثر صناعة للفرص بالمعدل بين كل من خاضوا أكثر من 300 دقيقة في البطولة، بعدما سجل 4.26 فرصة مصنوعة لكل 90 دقيقة، مؤكدا أن تأثيره الحقيقي يتجاوز انتظار الكرة داخل منطقة الجزاء إلى صناعة الخطر نفسه وفتح الطرق أمام زملائه.
وقبل مواجهة الأرجنتين في دور الـ16، تبدو هذه الأرقام أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن مصر تدخل الاختبار الأصعب وهي تعرف أن أخطر أوراقها ليس مجرد هداف ينتظر لحظة، بل لاعب قادر على تغيير شكل المباراة بأكملها.
الأرقام تكشف صلاح الذي لا يظهر في قائمة الهدافين
بحسب إحصاءات «سكواكا»، صنع محمد صلاح 16 فرصة في كأس العالم 2026، ليتقاسم صدارة البطولة في العدد الإجمالي مع البلجيكي لياندرو تروسارد، بينما جاء المغربي أشرف حكيمي خلفهما برصيد 14 فرصة.
لكن الرقم الأكثر دلالة يظهر عند حساب المعدل قياسا إلى زمن اللعب، إذ صنع قائد مصر 4.26 فرصة كل 90 دقيقة، وهو أعلى معدل لأي لاعب تجاوز حاجز 300 دقيقة في البطولة.
هذه الإحصائية تغير طريقة قراءة أداء صلاح في المونديال.
فالحكم التقليدي على المهاجم يبدأ عادة بعدد الأهداف وينتهي به، لكن دور قائد المنتخب المصري اتسع ليشمل حمل الكرة، وجذب المدافعين، وصناعة المساحات، والتمرير إلى مناطق الخطورة.
لذلك، فإن غياب الهدف في مباراة أو انخفاض الحصيلة التهديفية لا يعني بالضرورة تراجع تأثيره.
الفارق هنا بين لاعب يلمع في لقطة ولاعب يفرض وجوده على مدار المباراة.
صناعة أكثر من 4 فرص في كل 90 دقيقة تعني أن دفاع المنافس يجد نفسه مرارا أمام موقف خطير يبدأ من قدم لاعب واحد.
وحتى عندما لا تنتهي الفرصة بهدف، يبقى صلاح قادرا على إجبار الخصم على التراجع وتغيير تمركزه وتخصيص أكثر من لاعب لمراقبته.
وتزداد قيمة هذه الأرقام لأن مصر لم تصل إلى دور الـ16 عبر طريق سهل.
فقد احتاج المنتخب إلى مباراة امتدت 120 دقيقة أمام أستراليا قبل أن يحسم التأهل بركلات الترجيح بنتيجة 4-2، في مواجهة تحمل خلالها صلاح وزملاؤه ضغطا بدنيا وعصبيا هائلا، قبل تسجيل أول انتصار مصري في مباراة بالأدوار الإقصائية للمونديال.
أكثر من مجرد هداف منظومة مصر الهجومية تبدأ من قدمه
يعتمد الخطر الذي يصنعه صلاح على قدرته على منح الهجمة أكثر من احتمال.
عندما يستلم الكرة في الطرف يستطيع الدخول إلى العمق والتسديد، أو تمرير الكرة خلف الدفاع، أو جذب الرقابة وفتح المساحة أمام زميل قادم من الخلف.
هذه الخيارات تجعل التعامل معه أصعب من مراقبة مهاجم تقليدي ينتظر الفرصة الأخيرة.
ومن هنا، تصبح أرقام صناعة الفرص أكثر تعبيرا عن حجم الدور الذي يلعبه. صلاح لا ينتظر أن تصنع له مصر المباراة، بل يشارك في صناعتها.
والمنتخب الذي قد لا يملك الاستحواذ الأكبر أمام منافس قوي يحتاج إلى لاعب يستطيع تحويل عدد محدود من الهجمات إلى لحظات تهدد المرمى، وهو تحديدا ما تظهره إحصاءات قائد الفراعنة.
كما أن وجود 16 فرصة مصنوعة يضع مسؤولية إضافية على بقية عناصر الهجوم.
فكلما ارتفعت جودة اللمسة الأخيرة والاستفادة من تمريرات صلاح، أصبحت مصر أكثر قدرة على تحويل نشاطها الهجومي إلى أهداف.
وفي مباريات خروج المغلوب، قد تكون فرصة واحدة كافية لتغيير تاريخ كامل، فما بالك بلاعب ينتج الخطر بمعدل لا يضاهيه أحد ممن تجاوزوا 300 دقيقة.
ولذلك، فإن تقييم البطولة بالنسبة لصلاح لا ينبغي أن يتوقف عند عدد مرات هز الشباك.
اللاعب البالغ من العمر 34 عاما يقود منتخبا بلغ هذه المرحلة بعد مواجهة أستراليا وحسمها تحت ضغط هائل، وسجل ركلته في المواجهة الترجيحية، لكنه يصل إلى الاختبار التالي وفي يده سلاح أكثر استمرارية من ركلات الجزاء، وهو القدرة على صناعة الفرص.
قبل الأرجنتين مصر تملك ورقتها الذهبية
يواجه المنتخب المصري الأرجنتين يوم الثلاثاء 7 يوليو في أتلانتا ضمن دور الـ16، في مباراة تضع الفراعنة أمام حامل لقب مونديال قطر 2022 وأحد أكبر منتخبات البطولة.
وهي مواجهة تبدو على الورق شديدة الصعوبة، لكنها أيضا الاختبار الذي يمكن أن يمنح أرقام صلاح معناها الأكبر.
الأرجنتين تعرف أن إيقاف صلاح لا يتعلق فقط بمنعه من التسديد.
الخطر الحقيقي يبدأ قبل ذلك، عند استلامه الكرة ورفع رأسه والبحث عن المساحة بين الخطوط.
وإذا اضطر الدفاع الأرجنتيني إلى إرسال لاعب ثان لمساندة الظهير أمامه، فقد تظهر المساحات التي تنتظرها مصر لبناء هجمة سريعة.
ولهذا، سيكون السؤال الأكبر قبل المباراة هو مدى قدرة المنتخب المصري على إيصال الكرة إلى قائده في الأماكن التي يستطيع منها صنع الفارق.
فالأرقام تقول إن صلاح عندما يحصل على المساحة والخيارات ينتج فرصا بمعدل لم يبلغه أي لاعب آخر خاض أكثر من 300 دقيقة في البطولة.
قد تتحدث الجماهير قبل موقعة الأرجنتين عن الأهداف والركلات والنجوم الكبار، لكن داخل غرف التحليل الفني توجد لغة أخرى لا تكذب.
16 فرصة مصنوعة، و4.26 فرصة لكل 90 دقيقة، وصدارة إحصائية تضع محمد صلاح في قلب كل حسابات المواجهة.
مصر لا تدخل المباراة وهي تملك المرشح الأقوى على الورق، لكنها تدخلها وفي صفوفها اللاعب الأكثر قدرة على صناعة الفرص بهذا المعدل بين أصحاب الدقائق الطويلة.
وقبل أكبر امتحان في مشوار الفراعنة، تبدو الرسالة واضحة، قد لا يحتاج صلاح إلى فرص كثيرة ليسجل، لكن الأرجنتين ستحتاج إلى الكثير لمنعه من صناعتها.

