شكّلت حجة الوداع المشهد الأكمل لبيان شعائر الحج كما أرادها الله لعباده، إذ خرج الرسول صلى الله عليه وسلم في العام العاشر للهجرة ليؤدي الفريضة الوحيدة التي حجّها بعد الهجرة، فكانت حجته جامعة بين العبادة والتعليم والتبليغ والتأسيس لأحكام الدين في صورتها النهائية.
وفي هذا المقام العظيم، لم يكتف النبي الكريم بأداء المناسك، بل حوّل الرحلة كلها إلى مدرسة عملية رأى فيها المسلمون الإحرام والطواف والسعي والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والنحر والحلق وطواف الإفاضة والوداع كما تؤدى بالفعل، حتى صار هديه المرجع الأوضح لكل من أراد أن يتعلم الحج على وجهه الصحيح.
ويبرز د. علي محمد الصلابي في عرضه لهذا الحدث العظيم أن حجة الوداع لم تكن مجرد رحلة إيمانية، بل كانت إعلاناً مكتملاً لخاتمة التشريع الإسلامي، وفيها نزل قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، ففهم الصحابة من ذلك دلالة عميقة على تمام الرسالة واقتراب رحيل النبي صلى الله عليه وسلم. كما يوضح أن الخطب التي ألقاها الرسول في عرفة ومنى وغدير خم جاءت لتثبيت أصول الدين، وصيانة الدماء والأموال والأعراض، والتأكيد على التمسك بكتاب الله، وحفظ مكانة أهل البيت، وتبليغ الأمانة لمن يأتي بعد هذا الجيل الذي شهد الحج مع الرسول الكريم.
الحج فريضة مكتملة البيان في العام العاشر للهجرة
يوضح د. علي محمد الصلابي أن الحج فرضه الله على المستطيع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤخر أداءه بعد فرضه، فخرج من المدينة في ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة بعدما أعلم الناس بعزمه على الحج، فتوافد المسلمون من المدينة وما حولها ليصحبوه في هذه الرحلة المباركة. وقد عرفت هذه الحجة بعدة أسماء، منها حجة الوداع، وحجة البلاغ، وحجة الإسلام، لأنها كانت آخر حجة للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيها بلّغ الناس أحكام الحج بياناً عملياً متكاملاً.
من المدينة إلى مكة.. رحلة التلبية والتعليم
يعرض الصلابي تفاصيل خروج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد أن خطب الناس وعلّمهم أحكام الإحرام وواجباته وسننه، ثم مضى ملبياً: “لبيك اللهم لبيك”، والناس من حوله يلبون ويزيدون، وهو يقرهم على ذلك. ثم مرّ في طريقه بعدد من المواضع حتى دخل مكة من أعلاها، واتجه إلى المسجد الحرام، فاستلم الركن، وطاف بالبيت، وصلى عند مقام إبراهيم، ثم خرج إلى الصفا والمروة فأدى السعي، وبيّن للناس بالفعل كيف تكون العمرة المقرونة بالحج، وكيف يكون التحلل لمن لم يسق الهدي.
منى وعرفة.. ذروة المشهد الإيماني والتشريعي
يتوقف الكاتب عند انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى، حيث أقام بها وصلى الصلوات، ثم توجه إلى عرفة، وهناك خطب خطبته الجامعة التي قرر فيها حرمة الدماء والأموال، ووضع أمر الجاهلية تحت قدميه، وأبطل الربا، وأوصى بالنساء خيراً، وأعلن ترك كتاب الله بين المسلمين هادياً ومرشداً لهم. وفي عرفة أيضاً وقف النبي صلى الله عليه وسلم طويلاً داعياً متضرعاً حتى غربت الشمس، وفي هذا الموطن نزلت آية إكمال الدين، التي حملت معنى عظيماً لدى الصحابة، إذ رأوا فيها تمام النعمة وكمال الرسالة.
المزدلفة ومنى.. تمام المناسك وأمر الأمة بأخذها عنه
ينقل د. علي محمد الصلابي تفاصيل إفاضة النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى مزدلفة بسكينة ووقار، ثم صلاته المغرب والعشاء بها، ومبيته حتى الفجر، ثم وقوفه عند المشعر الحرام داعياً وذاكراً. وبعد ذلك اتجه إلى منى، فرمى جمرة العقبة، ونحر الهدي، وحلق رأسه، وخطب الناس مؤكداً حرمة الدماء والأموال والأعراض، وأمرهم أن يأخذوا مناسكهم عنه، وألا يرجعوا بعده إلى التنازع والاقتتال. كما أدى طواف الإفاضة، ثم رجع إلى منى لإتمام أيام التشريق ورمي الجمار على الترتيب المعروف.
خطب الوداع.. تأسيس للأمة بعد اكتمال الرسالة
يبرز الكاتب أن تكرار الخطب في عرفة ومنى ثم في طريق العودة عند غدير خم لم يكن أمراً عارضاً، بل كان ضرورة تربوية وتشريعية؛ لأن المسلمين كانوا في حاجة إلى تثبيت المعاني الكبرى بعد اكتمال بناء الإسلام. وفي هذا السياق شدد النبي صلى الله عليه وسلم على التمسك بكتاب الله، وأوصى بأهل بيته، وبيّن فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومكانته، خاصة بعد ما أثير حوله من شكوى بعض من كانوا معه في اليمن، فكان المقصود إزالة ما علق في النفوس، وتوضيح الحق، وصيانة وحدة الصف الإسلامي.
حجة الوداع.. مدرسة عملية باقية لكل مسلم
يخلص د. علي محمد الصلابي إلى أن حجة الوداع كانت الحدث الأهم في بيان شعائر الحج كما أرادها الشرع، لأنها جمعت بين الأداء العملي، والتعليم المباشر، والخطاب الإيماني، والتشريع النهائي. فقد رأى المسلمون الرسول صلى الله عليه وسلم في كل موطن من مواطن الحج، وسمعوا منه التوجيه والتصحيح والوصية، فصارت حجته الأصل العملي الذي يرجع إليه المسلمون جيلاً بعد جيل. ولهذا بقي قوله صلى الله عليه وسلم: “خذوا عني مناسككم” قاعدة جامعة تؤكد أن الاقتداء به في الحج ليس مجرد فضيلة، بل هو الطريق الأصح لفهم هذه العبادة العظيمة وأدائها كما ينبغي.

