محمد طلبة رضوان

كاتب صحافي

 

لا أرى قالب المناظرة منتجًا "معرفة حقيقية"، فلا هو نقاش معرفي، ولا هو جدال فلسفي، ولا هو اشتباك نقدي، بل سجال و"تدايك" يمكن للمناظر فيه أن يثبت الشيء وضدّه، والانتصارات في المناظرات غالبًا ما تكون للأكثر قدرةً على المزايدة الأخلاقية، والأكثر مهارةً في اختزال خصمه في زلّاته وثغرات خطابه.

 

ولكن، هل هذه مواصفات أستاذ وباحث جامعي؟ ربّما، ولم لا؟ قد يوظّف الأكاديمي معارفه وأدواته في خدمة انحيازاته الأيديولوجية، لكن نجاح الأستاذ والباحث في جامعة طهران، حسن أحمديان، وقدرته على السيطرة الكاملة على ضيوفه، وعلى "الهوا" في شاشة "الجزيرة"، يتجاوزان إمكانات الرجل إلى موقعه من الصراع، ذلك الذي يسمح له بما لا يسمح به لمناظريه، وفيهم، في تقديري، من يتجاوزه معرفة ووعيًا، فهو ليس قويًا بنفسه، بل بموقعه، وكذلك خصومه؛ ليسوا ضعفاء بأنفسهم، بل بمواقعهم.

 

يتكلّم أحمديان من داخل تصوّر للسياسة بوصفها فعلًا ومخاطرةً وتكلفةً، بينما يتكلّم خصومه من داخل تصوّر للسياسة بوصفها تكيّفًا وتبريرًا وتمريرًا. يُبرّر أحمديان سياسات وجرائم جاءت من موقع "إدارة السيادة"، ويبرّر خصومُه سياسات وجرائم (يعتبرونها إنجازات) جاءت من موقع "إدارة العجز". تحمل خطابات أحمديان طموحًا إيرانيًا بالانتصار على العدو، في النهاية، بينما تحمل خطابات خصومه يقينًا عربيًا بأنّه: "حتى ربّ العالمين (أستغفر الله العظيم) لا يستطيع أن يؤثّر في نتنياهو"، على ما قال أستاذ جامعي إماراتي.

 

من هنا يمكننا فهم ظاهرة أحمديان، لماذا ينتصر؟ ولماذا تبدو انتصاراته ساحقةً، وقفزاته فوق المنطق قوةً، وتبريراته منطقًا، وعربيته العادية بلاغةً، وجمود ملامحه كاريزما؟ ذلك لأنّه "فاعل" (خطّان باللون الأحمر القاني هنا).

 

نعم، يا صديقي، إيران دولةٌ دينيةٌ، ثيوقراطيةٌ، مستبدّةٌ (ليست ديمقراطية وتقدّمية مثلنا)، وجرائمها الطائفية ليست موضع خلاف بين عاقلَين، كما أنّها دولة براغماتية لا تتبنّى المقاومة خيارًا أخلاقيًا جذّابًا، بل اختيارًا سياسيًا متّسقًا مع تصوّراتها عن نفسها وعن مصالحها، لا شيء طيبا هنا أو مثاليا، لكنّ شيئا ما "يريد"، ويفعل، ويحاول، ويخطئ، ويقوم، ويواصل، ولا يتوقّف (هذا بالضبط هو مفهوم الحياة). وذلك كلّه في محيط إقليمي "متكيّف" تمامًا مع عجزه، ووهنه، وضعفه، ورخاوته، بوصفها دلائل حنكة سياسية، ورؤية استراتيجية، وتأجيلًا تكتيكيًا، ومراوغةً دبلوماسيةً، ووعيًا بموازين القوى، واستجابةً لإكراهات الواقع (وحداثةً!)، وتجاوزًا لثنائيات تجاوزها الزمن، وأيديولوجيات تجاوزها الزمن، ومفاهيم تجاوزها الزمن، ولا يحدّثك عن الزمن والواقع والعصر والحداثة، إضافة إلى ثقافة الحياة في مواجهة ثقافة الموت، مثل العرب (أصحاب الأمجاد في ذلك كلّه). من هنا يبدو أحمديان (على علّاته) مثيرًا للإعجاب، فيما يبدو خصومه مثيرين للشفقة حينًا، وللاشمئزاز حينًا، والضحك في كلّ الأحيان.

 

يقول لي صديقي الذي يكره إيران لأسباب عدّة بعضها لا يخلو من وجاهة: ماذا لو جاء فلان ليناظر أحمديان؟ ماذا لو استبدلنا فلانًا بفلان؟ لو غيّرنا المذيع، أو حرّكنا هذه المناظرة إلى شاشة عربية أخرى؟ فأقول: لا فرق، "فالموتى سواسية أمام الموت"، والمشكلة لا تبدأ من الإجابات، بل من "السؤال"، فلا يملك خصوم أحمديان سؤالًا حقيقيًا كي يملكوا إجابةً، ومن لا يسأل لا يجيب، ومن لا يجيب لا يكسب، فمن أين يأتي مُناظر عربي بإجابة إذا كان الواقع العربي يجرّم السؤال نفسه؟

 

يا صديقي: أحمديان ليس مناظرًا عبقريًا أو فذًّا، لكنّه يمثّل طرفًا يريد الحياة (بألف ولام التعريف)، في مواجهة أطراف لا ترى حياتها سوى نكرة (للتعظيم!). أحمديان (أو إيران أو حزب الله أو حماس أو القوميون العرب أو الإسلاميون أو عبد الناصر) إجابات واضحة عن سؤال الصراع، ومهما اختلفنا في مدى صحّتها، فهي "حضور في مواجهة الغياب"، ولا يصفّق الجمهور، هنا، لصاحب الحجّة الأقوى، فهو متخم بالحجاجات والإفحامات وقصف الجبهات، بل للرجل الذي يبدو أنّه يمتلك قدمَين ومكانًا، فإذا كان خصمك هو "العدم"، فأنت لا تحتاج إلى مهارات كي تهزمه، يكفيك أن تحضر.