تعيد استغاثات حاجزي «حكمة باي» في رأس الحكمة فتح ملف ثقيل عن حماية أموال المواطنين، بعدما تحولت وعود امتلاك شاليهات إلى سنوات انتظار، وباتت المسؤولية الحكومية عن الرقابة سؤالًا لا يحتمل التهرب.
وبحسب شكاوى المتضررين، تجاوزت المدفوعات 500 مليون جنيه، بينما لم تنهِ الإجراءات القضائية والأمنية معاناتهم المستمرة منذ سنوات؛ لتنكشف فجوة موجعة بين ملاحقة المسؤولين عن التعثر واستعادة الحقوق المالية لأصحابها.
أموال المواطنين تمول الوعود.. أين الحماية قبل الانهيار؟
بدأت الأزمة، وفق رواية الحاجزين، بتسويق منتجع على مساحة 360 فدانًا، وتقديم تسهيلات سداد جذابة استقطبت مئات المشترين، بينهم مغتربون وضعوا حصيلة عملهم في وحدات لم يتسلموها حتى الآن رغم مرور السنوات.
ويقول المتضررون إن الإنشاءات توقفت تمامًا، وإن محاولاتهم للحصول على موعد واضح للتسليم أو استرداد المدفوعات لم تثمر حلًا، فتحولت العلاقة التعاقدية إلى مواجهة مفتوحة تستنزف المال والوقت والقدرة على الاحتمال.
هذه الرواية تفرض على الحكومة تقديم إجابات محددة عن موقف الأرض والتراخيص ونسب التنفيذ، وتوقيت وصول الشكاوى إلى الجهات المختصة، والإجراءات التي اتخذتها منذ ظهور أول مؤشرات التعطل في المشروع.
فالمسؤولية الرقابية لا تبدأ بعد استنزاف المدخرات، ولا تنتهي بتحذير المواطنين من الشركات غير الجادة؛ جوهرها أن يستطيع المشتري معرفة الوضع الحقيقي للمشروع قبل أن يدفع ثمن الثقة من أمواله.
وفي نقد منشور لطريقة تنظيم السوق، طالب الخبير الاقتصادي هاني توفيق الحكومة بإلزام المطورين بحسابات ضمان مصرفية، تمنع صرف أموال المشترين إلا مقابل أعمال منفذة، وتربط التدفقات المالية بالتقدم الفعلي للمشروعات.
وأوضح توفيق، في تصريحات منشورة يوم 22 يوليو 2026، أنه طالب منذ سنوات بجهة تنظم علاقة المطور بالمشتري، محذرًا من دورات تمويل تعتمد على المبيعات الجديدة لاستكمال المراحل السابقة.
لا يتناول هذا الرأي «حكمة باي» تحديدًا، لكنه يقدم معيارًا واضحًا لمساءلة السياسة الحكومية: لماذا يظل المواطن معرضًا لمخاطر تمويل مشروع كامل، بينما لا يملك وسيلة مستقلة لمراقبة استخدام أقساطه؟
وحساب الضمان المقصود هنا يرتبط بإنجاز يمكن التحقق منه، فلا تتحول حصيلة الحجوزات إلى سيولة طليقة، ويصبح اكتشاف الفجوة بين الأموال المحصلة والأعمال المنفذة ممكنًا قبل اتساع الضرر على المشترين.
ولا تثبت المعلومات المتاحة كيف أُنفقت أموال هذا المشروع، ولذلك تصبح مراجعة الحسابات ضرورة للمحاسبة، مع إعلان نتائج موثقة للحاجزين، بدل تركهم أسرى التخمين بشأن مصير ما دفعوه عبر السنوات.
الفضيحة السياسية التي تطرحها الاستغاثات هي اضطرار المواطن إلى خوض هذه المعركة بعدما دفع والتزم؛ فأي حديث حكومي عن استقرار الاستثمار يفقد معناه إذا عجز عن توفير حماية قابلة للاختبار.
الأحكام وحدها لا تعيد المدخرات
وتشير المعلومات المنشورة إلى حصول متضررين على أحكام بالحبس والتعويض، والقبض على رئيس مجلس إدارة الشركة لتنفيذ أحكام ضده، دون إتاحة صور الأحكام أو تفاصيل درجتها وموقف الطعون عليها.
وتظل هذه التفاصيل مهمة لتحديد المسؤوليات بدقة، غير أن السؤال المباشر للحاجزين يتجاوز مصير إدارة الشركة إلى مصير أموالهم؛ فلا يكفي انتقال النزاع إلى المحاكم إذا بقيت الحقوق معلقة عمليًا.
ويضع الباحث في سياسات الإسكان والعمران يحيى شوكت هذه الإشكالية ضمن نقد أوسع لدور الدولة، إذ شارك في تحليل يرى أن السياسات الحكومية تدفع نحو تسليع السكن وتشجيع المضاربات العقارية.
وفي التحليل المنشور، بالمشاركة مع سلمى شكرالله، دعا شوكت إلى اضطلاع الحكومة والبرلمان بدورهما في تنظيم السوق، وزيادة الشفافية، وإتاحة بيانات عامة تساعد المواطنين على فهم التعاملات العقارية.
ورغم اختلاف شراء وحدة مصيفية عن تأمين مسكن أساسي، فإن المبدأ الرقابي يظل مشتركًا: على الدولة توفير معلومات موثوقة وقواعد عادلة، وألا يصبح امتلاك عقد بداية رحلة مجهولة لاسترداد الحق.
وفي ضوء هذا النقد، تبرز ضرورة فصل مسؤولية الشركة عن مسؤولية الجهات المنظمة؛ فثبوت مخالفة مطور لا يجيب وحده عن أسئلة المتابعة، وتلقي الشكاوى، والتدخل لحماية أصحاب التعاقدات القائمة بالفعل.
المطلوب كشف حساب إداري يحدد الجهة صاحبة الولاية على الأرض، وحدود اختصاص كل مؤسسة، وما إذا كانت هناك مخالفات مرصودة سابقًا، وكيف جرى التعامل معها، ومن تحمل مسؤولية متابعة التنفيذ.
ومن دون هذه المعلومات، تتحول عبارة «الأمر أمام القضاء» إلى إجابة ناقصة عن أزمة تتضمن جوانب إدارية ومالية؛ فمسار التقاضي لا يمنع الجهات المختصة من توضيح ما يدخل ضمن اختصاصها.
كما أن أي تسوية مالية ينبغي أن تضع خسائر الانتظار ضمن حساباتها، فالمبلغ المجمد لسنوات لا يحتفظ بالضرورة بقدرته الشرائية، ويتحمل الحاجزون فوق ذلك أعباء المطالبة بحقوقهم ومتابعة نزاعهم الطويل.
هنا تظهر قسوة اختزال الإنجاز في تنفيذ العقوبة: المتضرر يريد نتيجة ملموسة تعيد إليه حقه، والحكومة مطالبة بإعلان مسار واضح لمعالجة الأزمة، بمواعيد ومسؤوليات يمكن مراقبتها ومحاسبة المقصرين على أساسها.
رأس الحكمة بين بريق الصفقات وحقوق الحاجزين المنسية
تزداد حدة المفارقة لأن الاستغاثات تأتي من منطقة تحتل موقعًا بارزًا في خطاب الاستثمار؛ لكن شهرة رأس الحكمة وقيمة المشروعات المعلنة فيها لا تمنحان أصحاب العقود المتعثرة ضمانة تلقائية لاستعادة أموالهم.
وفي نقد مباشر لأولويات الحكومة، رأى الباحث والخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن التركيز على المشروعات المظهرية لا يعالج أسباب الأزمة الاقتصادية، وأن تغيير الأشخاص دون السياسات والانحيازات لا يصنع إصلاحًا.
وقال الميرغني، في حوار منشور يوم 25 يوليو 2024، إن مشروع رأس الحكمة يستهدف صفوة السياح، منتقدًا إهمال الزراعة والصناعة والتنمية المستدامة في ترتيب الأولويات الاقتصادية للدولة المصرية.
يتعلق هذا الرأي بالمشروع الاستثماري الكبير والسياسات الاقتصادية العامة، ولا يثبت ارتباطه التعاقدي بقرية «حكمة باي»؛ فالتجاور الجغرافي وتشابه الأسماء لا يكفيان لافتراض وحدة الملكية أو تحميل طرف التزامات طرف آخر.
لكن المقارنة السياسية مشروعة: نجاح التنمية يقاس أيضًا بقدرة المؤسسات على صون الحقوق داخل المجال الذي تتباهى بتطويره، وبسرعة معالجة النزاعات التي تهدد ثقة المواطنين في السوق وفي الرقابة الحكومية.
ولا يجوز أن تتحول مطالب الحاجزين إلى إزعاج للصورة الدعائية، أو أن يختفي أصحابها خلف أخبار الصفقات؛ فأموالهم تستحق مسارًا معلنًا للإنصاف، مهما كانت محدودة مقارنة بمليارات الاستثمارات الكبرى المعلنة.
ويبدأ هذا المسار بحصر موثق للعقود والمدفوعات والمطالبات، ومراجعة مستقلة للموقف المالي والإنشائي، ثم عرض بدائل قابلة للتنفيذ، توضح تكلفة الاستكمال وإمكاناته، أو كيفية تسوية الحقوق المالية ومصادر الوفاء بها.
وأي اقتراح بإسناد الاستكمال إلى مطور آخر يحتاج توضيحًا لالتزاماته تجاه الحاجزين، وضمانات تمنع تحميلهم ثمن التعثر مرة ثانية؛ وإلا فقد تتحول عملية الإنقاذ نفسها إلى جولة جديدة من الوعود.
كما ينبغي إشراك ممثلي المتضررين في مناقشة الحلول وإطلاعهم على مستنداتها، وتحديد جهة مسؤولة عن التواصل معهم؛ لأن استبعاد أصحاب الأموال من تقرير مصيرها يعيد إنتاج الخلل الذي يشكون منه.
تبقى «حكمة باي» اختبارًا قاسيًا لجدية الحكومة: هل تستطيع تحويل الحديث عن حماية الاستثمار إلى حماية أصحاب الحقوق، أم تكتفي بانتظار خفوت الاستغاثات؟ الإجابة المطلوبة أموال مستردة أو وحدات مسلمة ومساءلة معلنة.

