دكتور عبد الله سيف

 

لم تكن مظاهر الانحدار السلوكي والأخلاقي التي تطفو على سطح الشارع المصري اليوم نتاج صدفة عابرة، ولا مجرد انعكاس تلقائي لضغوط الحياة الاقتصادية والتطور التكنولوجي فحسب. بل إن القراءة المتأملة للمشهد الاجتماعي تكشف عن مسار مزدوج ومكتمل الأركان؛ تمثل شقه الأول في تجريف شبكات التوعية والتدين الميداني، بينما تولى شقه الثاني ضخ جرعات مكثفة من السلوكيات الهدامة عبر وسائط الإعلام والدراما التلفزيونية.

فقد تعرضت شبكات التوعية الأهلية والدعوية لتضييق وتفكيك شبه تام، بعدما كانت مراكز التحفيظ والجمعيات الخيرية والأنشطة المسجدية والشبابية تلعب دور "حائط الصد" والجراب الوقائي الذي يستوعب طاقات الناشئة ويغرس فيهم قيم الأمانة والبر والتكافل واحترام الكبير. ومع تفكيك هذه الحواضن وإبعاد المصلحين والدعاة المحليين القريبين من نبض الناس، فَقَدَ الشارع المصري مرجعياته الأدبية وسلطة النصح المباشر التي كانت تفرض نوعًا من الحياء العام والرقابة الجمعية المتبادلة، دون أن تنجح الشاشات الرسمية بأسلوبها التلقيني الفوقي في سد هذا الفراغ الهائل، ليُترك الشباب في عراء اجتماعي بلا حصانة إيمانية أو توجيه تربوي.

 

وفي الوقت الذي حُجب فيه الخطاب التوعوي والديني الميداني، فُتحت الأبواب على مصراعيها لإنتاج درامي وسينمائي حظي بدعم ورعاية وتسهيلات هائلة، لكنه كُرّس لتصدير قيم غريبة وهدامة. حيث تحول "البلطجي" والشخص الخارج عن القانون في المسلسلات إلى بطل شعبي تُجمّل صورة سطوته ويُقدم للناشئة كنموذج للرجل الناجح الذي يأخذ حقه بالقوة و"الفهلوة" بعيدًا عن القانون والأخلاق. بالتوازي مع ذلك، أسهبت الدراما في عرض مشاهد التفسخ الأسري، والانحلال اللفظي، وتناول المواد المخدرة، وإبراز الثراء السريع غير المشروع، مما أدى تدريجيًا إلى "تطبيع الرذيلة" وإضعاف الحساسية الأخلاقية لدى الجمهور، حتى بات الانحراف مظهرًا عاديًا من مظاهر الحياة اليومية.

 

وقد أدى هذا التلاقي بين تحجيم الوازع الإيماني والضخ الدرامي للبلطجة إلى انقلاب تشويهي في منظومة المفاهيم الحاكمة للمعاملات اليومية؛ إذ أصبحت الأمانة والالتزام بالكلمة والمواعيد تُرى في نظر البعض نوعًا من "السذاجة"، بينما صُور الاحتيال والكذب والقدرة على خرق القواعد كمظاهر لـ "الذكاء والفهلوة". وانعكس ذلك جليًا في الانفلات المروري، والسلوك العدواني في القيادة، وانتشار التحرش، والتطاول في التعاملات التجارية، بعدما غاب الرادع الأخلاقي الداخلي قبل الرادع القانوني الميداني.

 

وأمام هذا التفريغ الممنهج للقيم، لم يجد الشباب أمامهم سوى الارتماء كاملاً في أحضان "الفضاء الرقمي البديل"، ليصبح الذكاء الاصطناعي وخوارزميات منصات التواصل هي المربي الأول لجيل كامل في غياب أي حصانة فكرية أو أخلاقية. فسقط قطاع واسع في فخ السطحية، وابتذال المحتوى، والهوس بالمادة والشهرة السريعة عبر الترندات والخرافات والشائعات، بغية ملء الفراغ الروحي والفكري المتزايد الذي خلفته السياسات التوعوية والإعلامية.

 

إن إعادة بناء الإنسان المصري وصيانة أخلاق المجتمع لا يمكن أن يتحققا بترك الفضاء الدرامي والإعلامي يروج لنماذج البلطجة وتفكيك الأسرة، بالتوازي مع تكبيل وتكميم ألسنة التوعية والعمل الأهلي والدعوي الرشيد. فالخروج من هذا المنزلق الأخلاقي الخطير يتطلب إرادة إصلاحية حقيقية؛ تكف يد الإعلام عن تجميل القبح والانحراف، وتفسح المجال لشبكات التوعية والعمل الأهلي والدعوي المستقل والمسؤول ليستعيد دوره الطبيعي في احتواء الشباب، وغرس جوهر الأخلاق والأمانة، وإعادة الهيبة للقيمة والإنسان.