اعتنى الإسلام بتربية العقل وتنمية قدرته على النظر والتأمل والتفكر والتدبر؛ ليكون الإنسان مؤهلًا لفهم رسالته، وعبادة ربه على بصيرة، وتحمل مسؤولية الدعوة إلى الله، والقيام بأمانة الاستخلاف في الأرض بعيدًا عن الجهل والتقليد والخرافة.

 

وجعل القرآن الكريم التفكير الواعي طريقًا إلى الإيمان واليقين، ودعا الإنسان إلى قراءة آيات الكون، وتأمل سنن التاريخ، وتدبر الوحي، والتحري قبل إصدار الأحكام، حتى يصبح العقل أداةً لتحصيل العلم النافع وتحقيق نهضة الأمة وسعادتها في الدنيا والآخرة.

 

 

دعوة قرآنية إلى النظر

 

لم يطلب الإسلام من الإنسان أن يعيش غافلًا عما حوله، وإنما دعاه إلى استخدام عقله، والنظر في السماوات والأرض، والتأمل في مظاهر الخلق ودلائل القدرة الإلهية.

 

قال تعالى: «قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ» [يونس: 101].

 

فالكون كتاب مفتوح، وما فيه من نظام ودقة واتساق يدل على عظمة الخالق سبحانه، غير أن الانتفاع بهذه الآيات يحتاج إلى قلب مؤمن وعقل متجرد من العناد والهوى.

 

كما دعا القرآن إلى دراسة التاريخ، والنظر في مصائر الأمم السابقة، واستخلاص الدروس من أسباب نهضتها وسقوطها، فقال تعالى: «قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» [آل عمران: 137].

 

ودعا سبحانه الإنسان إلى التأمل في بداية الخلق؛ ليستدل بها على قدرة الله على البعث والنشأة الآخرة، فقال تعالى: «قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآَخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [العنكبوت: 20].

 

ولم تقتصر الدعوة إلى التفكير على الكون والتاريخ، بل شملت تدبر الوحي وفهم معانيه ومقاصده، فقال سبحانه: «كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ» [ص: 29].

 

 

العقل مناط التكليف

 

العقل من أعظم الطاقات التي أودعها الله في الإنسان، وبه ميزه عن كثير من مخلوقاته، وجعله مناطًا للتكليف؛ فمن فقد عقله بسبب الجنون أو غيره سقط عنه التكليف بقدر ما فقد من الإدراك.

 

ومنح الله الإنسان وسائل المعرفة من سمع وبصر وفؤاد، وحمله مسؤولية استخدامها فيما يقوده إلى الحق، وحذره من اتباع ما لا يقوم على علم أو دليل.

 

قال تعالى: «وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً» [الإسراء: 36].

 

وهذه المسؤولية تمنع المسلم من إطلاق الأحكام بلا بينة، أو نشر الأخبار بلا تثبت، أو بناء المواقف على الشائعات والظنون، لأن الإنسان مسؤول أمام الله عما سمع ورأى واعتقد وقال.

 

 

العلم وظيفة العقل

 

العقل نعمة إلهية يتمكن بها الإنسان من قبول العلم وفهمه واستيعابه، ولذلك يمثل التعلم وطلب المعرفة والاستزادة منها إحدى أهم وظائف العقل وأشرفها.

 

ومن يعرض عن العلم، ولا يسعى للخروج من ظلمات الجهل، يكون قد أهمل حق هذه النعمة العظيمة، وعطل الميزة التي وهبها الله للإنسان وفضله بها على سائر المخلوقات.

 

ومن هنا جاءت منزلة العلم الرفيعة في الإسلام، وورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ، وإِنَّ طالبَ العلمِ يستغفِرُ له كلُّ شيءٍ، حتى الحيتانِ في البحرِ» (أخرجه ابن ماجه: 224).

 

لكن الإسلام لا يدعو إلى مجرد جمع المعلومات، وإنما يدعو إلى العلم النافع الذي يهدي صاحبه إلى الحق، ويزكي نفسه، وينفع مجتمعه، ويسهم في عمارة الأرض وإصلاح حياة الناس.

 

ولتحصيل هذا العلم، لا بد من تنقية العقل من الوساوس والأهواء والتفكير المنحرف والشوائب المضللة، حتى يظل متوافقًا مع الفطرة السليمة ومنضبطًا بمقاصد الوحي.

 

فالعقل السليم هو الذي يؤهل الإنسان للانتفاع بالعلم في شؤون دينه ودنياه، ويمكّنه من عبادة الله وفق المنهج الصحيح، والقيام بوظيفة الاستخلاف التي كلفه الله بها.

 

 

التحرر من الظن والتقليد

 

يقوم المنهج الإسلامي في تربية العقل على تحريره من المسلمات المبنية على الظن والتخمين، ومن التبعية العمياء والتقليد الذي يلغي شخصية الإنسان وقدرته على التمييز.

 

وقد حذر القرآن من اتباع الظن دون حجة، فقال تعالى: «إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا» [النجم: 28].

 

فالظنون لا يمكن أن تحل محل الحقائق، ولا يجوز أن تكون أساسًا للعقائد أو الأحكام أو المواقف التي تمس حقوق الناس وسمعتهم ومصالحهم.

 

كما رفض القرآن اتخاذ تقليد الآباء والأجداد مبررًا لرفض الحق، فقال سبحانه: «قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ» [البقرة: 170].

 

فاحترام السابقين لا يعني اتباعهم بلا بصيرة، وإنما يزن المسلم الأقوال والأفعال بميزان الوحي والدليل، ويقبل الحق ممن جاء به، ويرفض الخطأ مهما كان مصدره.

 

 

التثبت قبل إصدار الأحكام

 

ألزم الإسلام العقل بالتحري والتثبت قبل تصديق الأخبار أو نقلها أو بناء المواقف عليها، لأن التسرع قد يؤدي إلى ظلم الأبرياء، وإشعال الفتن، وتمزيق المجتمعات.

 

قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» [الحجرات: 6].

 

ويؤسس هذا التوجيه القرآني لمنهج أخلاقي ومعرفي دقيق، يقوم على فحص الخبر، ومعرفة مصدره، والتأكد من صحته، والنظر في عواقب نشره قبل التعامل معه.

 

كما يربي المسلم على التريث، وعدم الانسياق وراء الشائعات والانفعالات، لأن الندم بعد وقوع الظلم لا يرد الحقوق كاملة، ولا يمحو دائمًا آثار الكلمة أو الاتهام.

 

 

التأمل في نواميس الكون

 

دعا الإسلام العقل إلى التأمل في نواميس الكون، والنظر في نظامه واتساقه، وإدراك أن خلق السماوات والأرض لم يقع عبثًا أو باطلًا.

 

قال تعالى: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ» [الحجر: 85].

 

والتأمل في الكون لا يقود المؤمن إلى الإيمان فحسب، بل يدفعه كذلك إلى البحث العلمي واكتشاف السنن التي أودعها الله في خلقه، وتسخير المعرفة لخدمة الإنسان وعمارة الأرض.

 

ومن هنا لا يوجد تعارض بين الإيمان والعلم النافع، لأن الوحي يدعو إلى النظر، والكون يقدم مجالات واسعة للبحث، والعقل السليم يجمع بين هداية الشرع واكتشاف قوانين الحياة.

 

 

تدبر حكمة التشريع

 

دعا الإسلام الإنسان إلى التأمل في حكمة ما شرعه الله لعباده من عبادات ومعاملات وأخلاق وآداب، وما وضعه من منهج متكامل للحياة في السلم والحرب والإقامة والسفر.

 

والنظر في حكم التشريع ينمي العقل، ويزيد المؤمن فهمًا لمقاصد الشريعة، ويعينه على تطبيق أحكامها عن بصيرة وطمأنينة، لما تحققه من مصالح العباد وسعادتهم.

 

قال سبحانه: «يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفًا» [النساء: 26–28].

 

فهذه الآيات تبين أن التشريع الإلهي قائم على العلم والحكمة والتوبة والتخفيف، وأن الله يريد للإنسان الهداية والاستقامة، بينما يدفعه أهل الشهوات إلى الانحراف والميل عن الطريق المستقيم.

 

وقال سبحانه: «وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ» [الأنعام: 119].

 

وتكشف الآية خطورة الهوى حين ينفصل عن العلم، لأن الإنسان قد يزين لنفسه الباطل، ويضل غيره، ويتجاوز حدود الله تحت تأثير رغباته ومصالحه.

 

وقد غاص علماء الأمة وفقهاؤها، منذ بزوغ الإسلام وحتى العصر الحاضر، في فهم أحكام التشريع وحِكمه، وتركوا للعالم رصيدًا ضخمًا في الفقه والمعاملات وتنظيم حياة الناس.

 

وكان هذا التراث من أسباب سعادة من التزم بالمنهج الرباني، وأقام حياته على العدل والرحمة وحفظ الحقوق وتحقيق المصالح، كما أشار محمود في مؤلفه الصادر سنة 1990 (1/475).

 

 

قراءة سنن التاريخ

 

حث الإسلام العقل على دراسة سنة الله في الأمم والشعوب والدول، حتى يتعظ الإنسان بما جرى للسابقين، ويدرك أن القوة والتمكين لا يحميان الظالمين من عاقبة الانحراف.

 

قال تعالى: «أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ» [الأنعام: 6].

 

فالتمكين المادي واتساع الثروة وتوافر الموارد لا تضمن بقاء الأمم إذا انتشر فيها الظلم والفساد، لأن دوام النعم يرتبط بالشكر والإصلاح والاستقامة.

 

وقال تعالى: «أَوَ لَمْ يَسيِرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» [الروم: 9].

 

وتؤكد الآية أن القوة والعمران والتقدم المادي وحدها لا تمنع السقوط، إذا ظلمت الأمة نفسها وكذبت بالحق وأعرضت عن منهج الله.

 

فالتاريخ في الرؤية الإسلامية ليس مجموعة حكايات للتسلية، بل سجل واسع للسنن والعبر، يستطيع العقل من خلاله معرفة أسباب البناء والانهيار، ومقارنة طريق الإيمان بعواقب الكفر والضلال.

 

 

ثمار التربية العقلية

 

تثمر التربية الإسلامية للعقل تنقيته من الوهم والخرافة والدجل، وتحريره من المسلمات القائمة على الظنون، وتعويده على التريث والتحقق؛ حتى لا يتسرع فيظلم ثم يندم حين لا ينفع الندم.

 

كما تعوّد العقل على إدراك حقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان، وتدفعه إلى البحث عن الحق عن قرب ويقين، بعيدًا عن الأوهام والمواقف المسبقة.

 

وتحض العقل على التأمل في حكمة الله فيما شرعه للناس من منهج ونظام يحققان سعادة الدارين، كما تمكنه من دراسة تاريخ البشرية بوصفه أكبر كتاب للعظة والاعتبار.

 

ومن خلال التاريخ يستطيع العقل أن يقارن بدقة بين الإيمان والكفر، وبين آثار أعمال المؤمنين ونتائج ضلال المكذبين، ويستخلص القواعد التي تحكم نهوض الأمم وسقوطها، كما أشار محمود (1990، 1/487).

 

 

العلم النافع طريق النهضة

 

في ضوء هذه الشروط والضوابط، يمكن تحصين العقل من الانحراف المنهجي في التفكير والحكم على الحوادث والظواهر، فتغدو نظرة الإنسان إلى الحياة نظرة ربانية متوازنة، لا نظرة مادية مجردة.

 

والعلم النافع هو كل علم ينفع المسلم في دينه ودنياه؛ فيشمل العلم بالعقيدة وأصول الفقه والعبادات والمعاملات والأحكام والأخلاق، وكل ما يعين على فهم الإسلام والعمل به.

 

كما يشمل العلوم التي تعين الإنسان على شؤون دنياه، وتجعله مواكبًا لعصره العلمي والمعرفي، وتمكنه من الإسهام الفاعل في التقدم البشري بمختلف العلوم الطبيعية والتطبيقية.

 

وبذلك لا تنفصل علوم الدين عن علوم الحياة النافعة، بل يلتقي الجانبان في بناء الإنسان المؤمن الواعي، القادر على عبادة الله، وإصلاح مجتمعه، وعمارة الأرض، وتسخير المعرفة لخدمة الخلق.

 

وتحصيل العلم النافع بشقيه شرط من شروط النصر والنهضة والتمكين للأمة الإسلامية، ولذلك يصبح طلبه واجبًا على الأفراد والجماعات، كل بحسب قدرته ومسؤوليته وحاجة مجتمعه.

 

إن الأمة التي تحسن تربية عقول أبنائها، وتحررهم من الظن والتقليد، وتدربهم على التثبت والتدبر والبحث، تستطيع أن تستعيد دورها الحضاري، وأن تجمع بين قوة الإيمان ونور العلم.

 

أما تقديس العقل ومنحه سلطة مطلقة بعيدًا عن هداية الوحي، فإنه قد يقوده إلى التيه والانحراف الذي وقع فيه كثير من الفلاسفة، حين أعطوا العقل أكثر مما يحتمل، وجعلوه حكمًا مستقلًا عن خالقه.

 

والمنهج الرباني لا يلغي العقل ولا يصادر دوره، وإنما يهديه ويضبط مساره ويحميه من الهوى؛ ليظل أداةً لمعرفة الحق، وتحصيل العلم النافع، وتحقيق العبودية لله، وبناء الحياة على العدل والإصلاح.

 

...........................................

المراجع:

1-      محمود، علي عبدالحليم، (1990)، فقه الدعوة إلى الله، دار الوفاء، مصر.

2-      الصلابي، علي محمد، (2001)، فقه النصر والتمكين، ط1، مكتبة الصحابة، الشارقة.