مصطفى جاويش

مسئول سابق بوزارة الصحة

 

التأمين الصحي الشامل في مصر ليس مشروعا علاجيا وفقط؛ بل هو منظومة متكاملة تعتبر اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية. وتمر المنظومة بمرحلة مفصلية تتأرجح فيها بين ملاءة مالية قوية في الأرقام الرسمية، وبين فجوة خدمية وتحديات تشغيلية على أرض الواقع خاصة مع بدء التجهيز لإطلاق المرحلة الثانية. النجاح هنا لا يُقاس بعدد المستشفيات التي تم افتتاحها، وإنما بسؤال واحد: هل يستطيع المواطن البسيط أن يحصل على علاج آمن وسريع وبجودة عالية دون إرهاق مالى؟؛؛ حيث يعكس المشهد الحالي معادلة معقدة بين الموارد المتاحة وآليات تقديم الخدمة.

 

أولا ـ ركائز القدرة المالية والاستدامة من خلال المؤشرات الرسمية

 

تظهر البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للتأمين الصحى تحقيق نجاح لافت في نموذج التمويل وتحقيق وفورات مالية: حيث سجلت المنظومة إيرادات بلغت 281.3 مليار جنيه، محققة فائضًا متراكمًا قدره 220.3 مليار جنيه، في حين بلغت نسبة تغطية الإيرادات للمطالبات 72.5% خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026.

 

تعتمد المنظومة على هيكل تمويلي يتسم بالتنوع لتجنب العجز المالي وشح الموارد الذي عانت منه المنظومات السابقة. وكانت البداية الهامة هي: الفصل بين هيئة التمويل وهيئة تقديم الخدمة الصحية؛ وهذا يعنى يضمن قيام "هيئة التمويل" بشتراء الخدمات الصحية من القطاعين العام والخاص وفق معايير جودة محددة (اعتماد هيئة الاعتماد والرقابة الصحية  ـ  GAHAR)، مع تعدد مصادر التمويل وتشمل:

 

1 ـ تحصيل اشتراكات المؤمن عليهم (العمالة المنتظمة والغير منتظمة)، حيث يتم تحصيل تحصيل الاشتراكات الإلزامية من جميع المواطنين، والأسرة هي وحدة الاشتراك، بنسبة محددة من إجمالي الدخل الشهري، وتشمل حصة أصحاب الأعمال فيما يخص نسبة العاملين. وما يخص دعم الخزانة العامة للدولة لعائلات غير القادرين؛

 

2 ـ وتحصيل المساهمات من المرضى: وهي رسوم يدفعها المريض نظير تلقي الخدمة بنسب معينة (فحوص الأشعة ـ التحاليل الطبية ـ الأدوية ـ الزيارات المنزلية ـ الأقسام الداخلية).

 

3 ـ رسوم يتم تحصيلها مجتمعيا مثل تحصيل الرسوم المفروضة على منتجات التبغ، والمواد الملوثة للبيئة، ورسوم المرور بالطرق، والتراخيص الطبية وغيرها (وتفرض كل فترة حسب القانون حسب مراحل تنفيذ القانون).

 

4 ـ تحصيل المساهمات التكافلية : وتُحسب بواقع 2.5  في الألف (اثنين ونصف في الألف) من جملة الإيرادات للمنشآت والشركات بمختلف طبيعتها أو أنظمتها القانونية ؛ حيث وافق مجلس النواب بتاريخ  29 يونيو 2026؛ على مشروع قانون بتعديل بعض أحكام قانون نظام التأمين الصحي الشامل الصادر بالقانون رقم 2 لسنة 2018، تستهدف التعديلات ألى إحكام آليات تحصيل المساهمة التكافلية، وضمان وصول مواردها إلى الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل بصورة أكثر كفاءة، مع تحقيق الاتساق التشريعي بين قانوني الضريبة على الدخل والتأمين الصحي الشامل، بما يدعم استدامة تمويل المنظومة.

 

5 ـ إنشاء صندوق الصحة: لدعم التأمين الصحي الشامل؛ أعلن المتحدث الرسمي لوزارة الصحة عام 2022؛ بأن الصندوق يحتوي على 70 مليار جنيه، وأن الصندوق عبارة حساب بنكي في البنك المركزي، ويتم تمويله، عبر الفوائض المالية التي تزيد عن مصاريف التشغيل المعتادة بالوزارة.

 

6 ـ المنح الخارجية والداخلية والقروض التي تعقدها الحكومة لصالح الهيئة: أكد د. محمد معيط رئيس "الهيئة العامة للتأمين الصحي"؛ وهي (هيئة التمويل) أن البنك الدولي، والوكالة الفرنسية للتنمية، وهيئة التعاون الدولي اليابانية "جايكا"، ومنظمة الصحة العالمية؛ هم شركاء في التنمية وتدشين الدعم المالي والفني بما يقرب من مليار دولار،

 

ثانيا ـ الفجوة الخدمية والتحديات الميدانية

 

هناك مفارقة مالية وإدارية تحتاج إلى تفسير واضح؛ لدينا تصريحات بأن إيرادات منظومة التأمين الصحي الشامل بلغت 281.3 مليار جنيه، وأن الفائض المتراكم وصل إلى 220.3 مليار جنيه، وأن الإيرادات تغطي نحو 72.5% من مطالبات المحافظات. وفي المقابل، المواطن يسمع ويعيش شكاوى متكررة من طول فترات الانتظار، ونقص بعض الأدوية والمستلزمات، والضغط على الكوادر والخدمات؛ وأعباء مالية،.

 

ومن الغريب وجود نسبة 27.5 % من المطالبات غير مغطاة ماليا، وذلك على الرغم من تعاقد المنظومة مع شركات الطرف الثالث TPA- Third Party Administrator))، وهي وسيط إداري وفني يدير الموافقات الطبية والمطالبات لضمان الكفاءة والسرعة.

 

وهنا يبرز السؤال الاقتصادي والإداري المشروع؛ وهو: إذا كانت المنظومة تمتلك هذه القدرة المالية، فلماذا لا يظهر أثرها بالقدر نفسه في تجربة المواطن داخل المنشأة الصحية؟.. وهنا يبدو أننا أمام ثلاث احتمالات:

 

الأول ـ أن مبلغ 220.3 مليار جنيه ليست كلها أموالًا سائلة قابلة للإنفاق، خاصة وأن مكوناتها غير معلنة بالتفصيل.

 

الثاني ـ أن هناك فجوة في إدارة الموارد المالية المتاحة؛ وكفاءة تحويلها إلى خدمة، أي مشكلة في التعاقد أو شراء الخدمة أو سداد المطالبات.

 

الثالث ـ أن هناك خللًا في تصميم العلاقة بين التمويل وتقديم الخدمة، بحيث يمكن أن تكون المنظومة قوية ماليًا، ولكن المواطن لا يحصل على الخدمة بالسرعة والجودة المطلوبة.

 

على الجانب الآخر، يواجه المواطنون والأطقم الطبية فجوة خدمية ترجع بشكل أساسي إلى تحديات تشغيلية وهيكلية وليس لقلة التمويل:

 

1 ـ أزمة العنصر البشري (نقص الأطباء): تعاني الوحدات والمستشفيات من ضغط شديد ونقص في الأطقم الطبية، وتتفاقم الأزمة بسبب ضعف الرواتب ، وضغوط بيئة العمل ،وهجرة أعداد كبيرة من الأطباء إلى الخارج.

 

2 ـ تحديات التشغيل بالوحدات الصحية: استبعاد أو تأخر تجهيز بعض الوحدات الصحية في المحافظات لعدم استيفاء معايير الجودة والاعتماد المطلوبة، مما يتسبب في تكدس المنتفعين بالوحدات البديلة كما حدث مؤخرا في استبعاد 65 وحدة صحية بمحافظ المنيا.

 

3 ـ الاستدامة مع التوسع الجغرافي: "الكثافة السكانية الضخمة" في محافظات المرحلة الثانية؛ والتي بدأت تجريبيا في محافظة المنيا تمثل تحديًا حقيقيًا يحتاج لموازنات وبنية تحتية تفوق ما تم إنجازه في محافظات المرحلة الأولى ذات الكثافة المنخفضة.

 

مسار الإصلاح والتوصيات والخطط المستقبلية

 

التأمين الصحى الشامل ليس اختراعا مصريا؛ حيث أن دولا مثل تايلاند، وتركيا، ورواندا سبقتنا، ونجحت رغم وجود ظروف اقتصادية صعبة. ومن المعروف أن نجاح المنظومة لا يُقاس فقط بحجم الفائض، وإنما بقدرته على تحويل هذا الفائض والاستدامة المالية إلى طبيب متاح، ودواء موجود، ومستلزمات متوفرة، ووقت انتظار أقل، وخدمة أفضل، ومردود صحي بجودة عالية، وليس مجرد إصدار القوانين، ولكن في ضمان بيئة عمل عادلة للفريق الطبي، وهنا نحتاج إلى كشف تفصيلي يربط كل جنيه دخل المنظومة، بما خرج منها، ولأي غرض، وما الخدمة الصحية التي حصل عليها المواطن في المقابل.

 

وحيث أنه من المعروف أنه يوجد عجز شديد في أعداد الأطباء العاملين بالحكومة، وبالتالي فإن استبيان نقابة الأطباء عام 2023؛ يؤكد على استمرار تدهور ظروف العمل للأطباء حتى تحت ظل منظومة التأمين الصحي الشامل؛ ورغبة أغلبيتهم إلى ترك المنظومة، وهذا بدوره سوف يزيد من ظاهرة هجرة الأطباء للخارج، إضافة إلى استمرار معاناة المواطنين في الأماكن التي بدأ فيها المشروع، وهذا الأمر يمثل جرس إنذار ينبه الدولة بشدة إلى أهمية مراعاة تنفيذ ماورد في التصريحات السياسية باعتبار أن "التأمين الصحي الشامل أحد المحاور الأساسية لحقوق الإنسان"، "وأحد أهم محاور التنمية المستدامة"؛ لتحقيق الأهداف الاستراتيجية والغايات الوطنية للدولة؛ حيث يهدف إلى إصلاح نظم الرعاية الصحية بالكامل، بما يحقق التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع.