كشف اقتراح نقله جهاز الأمن الوطني إلى أهالي الوراق عن تراجع أمام تمسكهم بالبقاء، إذ يتيح تثبيت سكان الكتلة السكنية، ويمنح سكان المتناثرات 3 بدائل بينها أراض للبناء داخل الجزيرة.
وافقت مجموعة باقون في جزيرة الوراق على بدء التفاوض بعد اجتماع حضره ألف مواطن، لكنها تدخل بلا ضمان مكتوب يحمي البيوت، أو يثبت أن العرض سينتهي فعلًا إلى بقاء الجميع.
عرض بثلاثة مسارات
يقسم التصور السكان بين كتلة سكنية تبقى منازلها قائمة، ومتناثرات تتركز فيها المشروعات الحكومية، ويخير الفئة الثانية بين الرحيل، أو أبراج الدولة، أو أرض بديلة داخل نطاق تملكه الحكومة بالكتلة.
وبحسب أعضاء مؤسسين، يمثل إدراج الأرض داخل الجزيرة الفارق الأهم عن عرض سابق اكتفى بإبقاء سكان مساحة تقارب 300 فدان، ودفع الآخرين نحو شقق الأبراج التي رفضها قطاع واسع.
غير أن الصيغة ما تزال تصورًا شفهيًا لم تتحدد مساحاته، ولا قواعد توزيع الأراضي أو توقيت تسليمها، بما يترك حق البقاء معلقًا على تفاصيل قد تعيد إنتاج النزاع بصياغة مختلفة.
كما أن مساحة الكتلة السكنية قد لا تستوعب طالبي البقاء من المتناثرات، خصوصًا إن اختارت أسر كثيرة الأرض بدل الشقق، وهو اختبار حسابي وعمراني ينبغي حسمه قبل أي موافقة نهائية.
لذلك يتمسك الأهالي بمبدأ بيت مقابل بيت العادل، باعتباره ضمانة تحافظ على نمط الأسرة الممتدة ومساحات السكن والعمل، لا مجرد شعار تفاوضي يمكن استبداله بوحدة ضيقة خارج بيئتهم الاجتماعية والاقتصادية.
ويرى المحامي خالد علي أن تطوير الجزيرة ممكن من دون الإضرار بسكانها، شرط إشراكهم في المخطط وبناء ثقة حقيقية، بدل دفعهم إلى البيع عبر ضغوط تفرغ الرضا تمامًا من مضمونه.
ويكتسب هذا الرأي أهمية مع غياب مخطط يوضح أماكن الأراضي البديلة وكثافاتها وخدماتها، إذ لا تكفي وعود البقاء إذا انتهت إلى تكديس السكان داخل رقعة محدودة وإخلاء المساحات الأعلى قيمة.
اجتماع الجمعة لم يناقش تفاصيل البدائل الثلاثة، بل حسم فقط قبول مبدأ التفاوض وتشكيل لجنة تمثل المجموعة، بينما بقي موعد اللقاء مع الأمن الوطني وشروط الجولة بلا إعلان حتى الآن.
ملكية تختبر التفاوض
وبالتالي فإن موافقة الأهالي ليست قبولًا بالعرض، وإنما تفويض لاختبار جديته، بعد رفض لأي حوار لا تسبقه موافقة الدولة على بيت مقابل بيت، وهو فارق يجب ألا تطمسه الرواية الرسمية.
ومن جهة أخرى، يطرح دخول جهاز الأمن الوطني على خط الأزمة سؤالًا عن سبب تراجع المؤسسات العمرانية، بعدما رفض الأهالي التفاوض مع جهاز المدينة إثر تجاهله مطالبهم وامتناعه عن مقابلتهم.
ويشير نائب رئيس محكمة النقض السابق محمد ناجي دربالة إلى أن عقود ملكية السكان تمثل تحديًا قانونيًا أمام الحكومة، وأن رواية وضع اليد لا تسندها أدلة واضحة تكفي لإهدار الحقوق.
وبناء على ذلك، لا يستطيع تفاوض جاد القفز فوق الملكيات والتعويض العادل وحرية الاختيار، لأن تحويل أصحاب الحقوق إلى طالبي مساكن بديلة يقلب العلاقة ويضع القرار كاملًا بيد الجهة النازعة.
كذلك سبق أن صدرت قرارات بإنشاء مجتمع عمراني جديد ونزع ملكيات مرتبطة بمحور روض الفرج وكورنيش الجزيرة، وهو تاريخ يجعل الأهالي أكثر حذرًا من الوعود غير المقترنة بخرائط وعقود ملزمة.
وفوق ذلك، يختلف المنزل في الوراق عن شقة حكومية، فالمساكن المحلية تضم أسرًا ممتدة وأنشطة معيشية ومساحات قابلة للتوسع، بينما قد تفكك البدائل الجاهزة الروابط العائلية وتضاعف كلفة الحياة اليومية.
ومن ثم يجب أن تشمل المفاوضات حصرًا مستقلًا للسكان والأراضي والخدمات، مع إعلان المساحة القابلة للبناء ومعايير التخصيص، حتى لا تتحول ندرة الأرض لاحقًا إلى أداة لإجبار المتناثرات على الرحيل.
نائب رئيس حزب المحافظين مجدي حمدان يرى أن الحلول الأمنية وحدها لا تنهي الأزمة، وأن التسوية تتطلب تفاهمات حقيقية وتعويضات تساوي القيمة السوقية، بعيدًا عن فرض الأمر الواقع على السكان.
ضمانات قبل التسوية
ويعزز التقدير قرار الأهالي قصر التفاوض على جهات رفيعة، بعدما فقدوا الثقة في جهاز تنمية المدينة، لكن نجاح المسار يظل مرهونًا بتحويل التواصل الأمني إلى اتفاق حقوقي قابل للمراجعة والتنفيذ.
في المقابل، قد تستخدم الدولة قبول الحوار لتقديم الأزمة باعتبارها في طريقها للحل، رغم أن جوهر الخلاف لم يحسم، وأن موافقة المجموعة لا تمنح تفويضًا مفتوحًا للتنازل عن مطلب البقاء.
ولهذا تحتاج اللجنة إلى تفويض وحدود تفاوض وآلية للرجوع إلى اجتماع الأهالي، لأن اتفاقًا يتجاوز بيت مقابل بيت أو يميز بين السكان قد يبدد الوحدة التي أجبرت الدولة على تعديل عرضها.
وعلاوة على ذلك، ينبغي نشر محاضر الجلسات وتوثيق كل تعهد قانونيًا، مع ضمان حضور قانونيين ومختصين بالعمران، حتى لا تبقى المساحات والمواعيد والتعويضات عبارات مرنة قابلة للتراجع عند بدء التنفيذ.
وإذا قدمت الدولة خرائط قابلة للتحقق وأراضي كافية ومرافق وضمانات ملكية، فقد يفتح العرض بابًا لتسوية تحفظ المجتمع المحلي وتسمح بالتطوير، بدل المعادلة القديمة التي جعلت الاستثمار مرادفًا لإزاحة السكان.
أما إذا عجزت الكتلة السكنية عن استيعاب الراغبين، أو ربطت الأراضي بشروط مالية وتعجيزية، فسيتحول الخيار الثالث نهائيًا إلى واجهة شكلية تدفع الأهالي عمليًا نحو الأبراج أو الخروج من الجزيرة.
في المحصلة، انتزع صمود أهالي الوراق اعترافًا أوليًا بإمكان بقائهم جميعًا، لكن المسافة بين الاقتراح والحق المضمون لا تزال واسعة، ولن تضيق إلا بعقود ملزمة ومساحات عادلة وموافقة جماعية حرة.

