بقلم/ دكتور عبد الله سيف

تعتمد الأنظمة السلطوية والتنافسية الحديثة على استراتيجيات ناعمة وتدابير مؤسسية دقيقة تضمن من خلالها استمراريتها وهيمنتها دون الحاجة الدائمة لاستخدام الأدوات القمعية المباشرة. وفي مقدمة هذه الاستراتيجيات تأتي صناعة ما يُعرف في أدبيات العلوم السياسية بـ "المعارضة الكرتونية" أو الاحتوائية ؛ وهي كيانات وتنظيمات حزبية تحمل لافتة المعارضة شكلياً، لكنها تدور وظيفياً في فلك السلطة وتخضع لخطوطها الحمراء، لتتحول من آلية مفترض أن تُفضي إلى التداول السلمي للسلطة إلى أداة أساسية لترسيخ الاستبداد وإعادة إحكام السيطرة على المجال العام.

تؤدي هذه الكيانات وظائف جوهرية ومحسوبة لصالح البنية الحاكمة، وفي مقدمتها إضفاء "شرعية تزييفية" على النظام أمام المجتمع الدولي والقوى الخارجية؛ حيث تُقدم كدليل على وجود بيئة متعددة ومنافسة انتخابية مفتوحة تفي بالمطلوب الحقوقي والسياسي الظاهري. بالتوازي مع ذلك، تُستخدم هذه الأحزاب كـ "صمامات أمان" لامتصاص وتوجيه الاحتقان المجتمعي؛ إذ يُسمح لها بممارسة نقد سقفُه محدد حصرياً بالأداء الخدمي والبيروقراطية الحكومية أو الغلاء المعيشي، مع تجنب المساس بالنواة الصلبة للحكم، أو الأجهزة السيادية، أو خيارات الدولة الاستراتيجية. وعلى مستوى التيارات السياسية، تُستغل المعارضة الكرتونية لإرباك وتفتيت الجبهات المدنية والمستقلة؛ حيث يخلق وجود أحزاب مرخصة ومحظية بالامتيازات انقساماً رأسياً داخل صفوف المعارضة، ما بين تيار يرتضي اللعب ضمن القواعد الأمنية المتاحة للحفاظ على مكاسبه النيابية، وتيار مستقل يتم عزله وشيطنته بصفته خروجاً عن الثوابت الوطنية.

وتكتمل هذه الهندسة السياسية عبر متوالية من الآليات التشريعية، والإعلامية، والمؤسسية المكملة لبعضها البعض. فمن الناحية التشريعية، تُصمم القوانين الانتخابية—خاصة اعتماد نظام القوائم المغلقة المطلقة والدوائر المتسعة—لتفريغ عملية الاقتراع من التنافسية الفعلية، وتحويل توزيع المقاعد البرلمانية إلى عملية محاصصة مسبقة تُدار داخل الغرف المغلقة عبر "القوائم الوطنية الموحدة". ومن الناحية الإعلامية، تُفتح المنصات والصحف التابعة أو الموجهة لرموز هذه المعارضة المعتمدة لمنحها حضوراً زائفاً يرسخها كبديل متاح ومقبول للرأي العام، مع ضرب حصار صارم على أي صوت حقيقي خارج هذه المساحة المصممة. كما يمتد الضبط ليصل إلى السيطرة على التوازنات الداخلية لتلك الأحزاب وتعيين قياداتها لضمان استمراريتها ككيانات منضبطة ومأمونة الجانب.

تتجاوز الآثار المترتبة على هذه الظاهرة مجرد حماية النظام الحاكم لتنعكس سلباً وبشكل حاد على المعارضة الحقيقية والمجتمع المدني. إذ تُسهم المعارضة الاحتوائية في احتكار صفة "المعارضة الرسمية" وحرمها على سواها، مما يمنع القوى الجادة من إيصال برامجها البديلة. كما تؤدي ممارسات التركيز على المنافع الشخصية والمحاصصة النيابية إلى ترسيخ قناعة لدى الشارع بأن العمل الحزبي والسياسي برمته مجرد مسرحية هزلية لإحراز المكاسب الفردية؛ وهو ما ينتهي بتجريف الحاضنة الشعبية وتزهيد المواطنين، والشباب خاصة، في المشاركة الحزبية والسياسية بجميع أشكالها.

وعلى الرغم من المزايا التكتيكية التي يجنيها النظام على المدى القريب من هندسة هذا المشهد، فإن الاعتماد المفرط على المعارضة الكرتونية يخلق مخاطر استراتيجية طويلة المدى تُهدد استقرار الدولة ذاته. يظهر ذلك في حرمان مراكز القرار من أدوات التغذية الراجعة الحقيقية  ونقل نبض الشارع الفعلي، نتيجة اعتماد السلطة على تقارير الترضية الحزبية التي تُخفي حجم الاحتقان الاجتماعي. وعند اندلاع الأزمات الاقتصادية أو المعيشية الحادة، تنعدم ثقة الجماهير في هذه الوسائط البرلمانية الهشة التي لا تملك القدرة على التغيير، مما يفقد النظام حائط الصد السياسي المعتاد، وينقل الغضب الشعبى بعيداً عن الأطر المؤسسية نحو منصات التواصل الاجتماعي والحركات الفئوية غير المنظمة. وفي النهاية، يجد النظام نفسه أمام مواجهة عارية ومباشرة مع احتجاجات عفوية تفتقر إلى قيادات يمكن التفاوض معها، مما يرفع كلفة السيطرة الأمنية ويجعل الاستقرار السياسي مجرد هشاشة مؤقتة معرضة للانفجار.